فضّل بعض الناس على بعض في ارزق وهو ما تبقى به الحياة ربما كان من جهة الكمية كالغني المفضل بالمال الكثير على الفقير ، وربما كان من جهة الكيفية كأن يستقل بالتصرف فيه بعضهم ويتولى أمر الآخرين مثل ما يستقل المولى الحر بملك ما في يده والتصرف فيه بخلاف عبده الذي ليس له أن يتصرف في شيء إلّا بإذنه وكذا الأولاد الصغار بالنسبة إلى وليهم والأنعام والمواشي بالنسبة إلى مالكها .
وقوله :
فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ
قرينة على أن المراد هو القسم الثاني من التفضيل وهو أن بعضهم فضّل بالحرية والاستقلال بملك ما رزق وليس يختار أن يردّ ما رزق باستقلاله وحريته إلى ما يملكه ويملك رزقه ، ولا أن يبذل له ما أوتيه من نعمة حتى يتساويا ويتشاركا فيبطل ملكه ويذهب سودده .
فهذه نعمة ليسوا بمغمضين عنها ولا برادّين لها على غيرهم ، وليست إلّا من اللّه سبحانه فإن أمر المولوية والرقّية وإن كان من الشؤون الاجتماعية التي ظهرت عن آراء الناس والسنن الاجتماعية الجارية في مجتمعاتهم لكن له أصول طبيعية تكوينية هي التي بعثت آراءهم على اعتباره كسائر الأمور الاجتماعية العامة .
والمعنى - واللّه أعلم - واللّه فرّق بينكم بأن فضّل بعضكم على بعض في الرزق فبعضكم حرّ مستقل في التصرف فيه ، وبعضكم عبد تبع له لا يتصرف إلّا عن إذن فليس الذين فضّلوا برادّي رزقهم الذي رزقوه على سبيل الحرية والاستقلال على ما ملكت أيمانهم حتى يكون هؤلاء المفضلون والمفضل عليهم في الرزق سواء فليسوا سواء بل هي نعمة تختص بالمفضلين أفبنعمة اللّه يجحدون ؟
قوله تعالى :
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً
إلى آخر الآية ؛ قال في المفردات : قال اللّه تعالى :
وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً
جمع حافد وهو المتحرك المسرع بالخدمة أقارب