تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 538

مساهمون:

ص٥٣٨
لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ »
فجمع الآيات في هذه الآية بخلاف الآيتين السابقة واللاحقة . قوله تعالى :
وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ
الذرء الخلق ، واختلاف ألوان ما ذرأه في الأرض غير ما مرّ كما يختلف ألوان المعادن وسائر المركّبات العنصرية التي ينتفع بها الانسان في معاشه ولا يبعد أن يكون اختلاف الألوان كناية عن الاختلاف النوعي بينها فتقرب الآية مضمونا من قوله تعالى :
وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ
( الرعد / 4 ) ، وقد تقدم تقريب الاستدلال به . واختلاف الألوان فيما ذرأ في الأرض كإنبات الشجر والثمر أمر واحد يستدلّ به على وحدانيته في الربوبية ولذا قال :
« إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً »
ولم قل : لآيات . وهذه حجج ثلاث نسب الأولى إلى الذين يتفكّرون ، والثانية إلى الذين يعقلون ، والثالثة إلى الذين يتذكرون ، وذلك أن الحجة الأولى مؤلفة من مقدمات ساذجة يكفي في إنتاجها مطلق التفكر ، والثانية مؤلفة من مقدمات علمية لا يتيسر فهمها إلّا لمن غار في أوضاع الأجرام العلوية والسفلية وعقل آثار حركاتها وانتقالاتها ، والثالثة مؤلفة من مقدمات كلية فلسفية إنما ينالها الإنسان يتذكّر ما للوجود من الأحكام العامة الكلية كاحتياج هذه النشأة المتغيرة إلى المادة وكون المادة العامة واحدة متشابهة الأمر ، ووجوب انتهاء هذه الاختلافات الحقيقية إلى أمر آخر وراء المادة الواحدة المتشابهة . قوله تعالى :
وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها
الخ ؛ وهذا فصل آخر من النعم الإلهية وهو نعم البحر والجبال والأنهار والسبل والعلامات وكأن ما تقدمه من الفصل مشتملا على نعم البرّ والسهل من الأشجار والأثمار ونحوها ، ولذلك قال :
وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ
ولم يقل : وسخّر ، الخ .