تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 541

مساهمون:

ص٥٤١
والآية السابقة
« وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ »
المتضمنة لمسألة الهداية المعنوية التي هي كالمعترضة بين الآيات العادّة للنعم الصورية وإن كان الأنسب ظاهرا أن يوضع بعد هذه الآية أعني قوله :
« وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ »
المتعرضة هي وما قبلها للهداية الصوريّة غير أن ذلك لم يكن خاليا من اللبس وإيهام التناقض بخلاف موقعها الذي هي واقعة فيه وإن كانت كالمعترضة كما هو ظاهر . قوله تعالى :
أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ
- إلى قوله -
إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ
الآيات تقرير إجمالي للحجة المذكورة تفصيلا في ضمن الآيات الستّ عشرة الماضية واستنتاج للتوحيد وهي حجة واحدة أقيمت لتوحيد الربوبيّة ، وملخصها أن اللّه سبحانه خالق كل شيء فهو الذي أنعم بهذه النعم التي لا يحيط بها الإحصاء التي ينتظم بها نظام الكون ، وهو تعالى عالم بسرّها وعلنها فهو الذي يملك الكل ويدبر الأمر فهو ربها ، وليس شيء مما يدعونه على شيء من هذه الصفات فليست أربابا فالإله واحد لا غير وهو اللّه عز اسمه . وإنما سيقت آيات الخلقة لتثبيت أمر النعمة إذ من البين أنه إذا كان اللّه سبحانه خالقا لكل شيء موجودا له كانت آثار وجودات الأشياء وهي النعم التي يتنعم بها له سبحانه كما أن وجوداتها له ملكا طلقا لا يقبل بطلانا ولا نقلا ولا تبديلا فهو سبحانه المنعم بها حقيقة لا غيره من شيء حتى الذي نفس النعمة من آثار وجوده فإنه وما له من أثر هو للّه وحده . ولذلك ضمّ إلى حديث الخلق والإنعام قوله تعالى :
« وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ »
لأن مجرد استناد الخلق والإنعام إلى شيء لا يستلزم ربوبيته ولا يستوجب عبادته لولا انضمام العلم اليهما ليتم بذلك أنه مدبر يهدي كل شيء إلى كماله المطلوب له وسعادته المكتوبة في صحيفة عمله ، ومن المعلوم أنّ العبادة إنما تستقيم عبادة إذا كان المعبود موسوما بسمة العلم عالما بعبادة من يعبده شاهدا لخضوعه .