تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 534

مساهمون:

ص٥٣٤
قال تعالى :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ
( الأنبياء / 25 ) . فالذي أمر الرسل بالإنذار به في الآية هو مجموع قوله :
« أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ »
وهو تمام الدين لاندراج الاعتقادات الحقة في التوحيد والأحكام العملية جميعا في التقوى ، ولا يعبأ بما ذكره بعضهم ان قوله :
« فَاتَّقُونِ »
للمستعجلين من الكفار المذكورين في الآية الأولى أو لخصوص كفار قريش من غير أن يكون داخلا فيما أمر به الرسل من الإنذار . قوله تعالى :
خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ
تقدم معنى خلق السماوات والأرض بالحق ، ولازم خلقها بالحق أن لا يكون للباطل فيها أثر ، ولذلك عقّبه بتنزيهه عن الشركاء الذين يدعونهم ليشفعوا لهم عند اللّه ويهدوهم إلى الخير ويقوهم الشر فإنهم من الباطل الذي لا أثر له . وفي الآية والآيات التالية لها احتجاج على وحدانيته تعالى في الألوهية والربوبية من جهتي الخلق والتدبير جميعا فإن الخلق والإيجاد آية الألوهية وكون الخلق بعضها نعمة بالنسبة إلى بعض آية الربوبية لأن الشيء لا يكون نعمة بالنسبة إلى آخر إلّا عن ارتباط بينهما واتصال من أحدهما بالآخر يؤدي إلى نظام جامع بينهما وتدبير واحد يجمعهما ، ووحدة التدبير آية وحدة المدبر فكون ما في السماوات والأرض من مخلوق نعما للإنسان يدلّ على أن اللّه سبحانه وحده ربه ورب كل شيء . قوله تعالى :
خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ
المراد به الخلق الجاري في النوع الإنساني وهو جعل نسله من النطفة فلا يشمل آدم وعيسى عليهما السّلام . والخصيم صفة مشبهة من الخصومة وهي الجدال ، والآية وإن أمكن أن تحمل على الامتنان حيث إن من عظيم المنّ أن يبدّل اللّه سبحانه بقدرته التامة قطرة من ماء مهين إنسانا كامل الخلقة منطقيا متكلما ينبئ عن كل ما جلّ ودقّ ببيانه البليغ لكن كثرة الآيات التي توبّخ
مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 534 | إلياس الكلانتري / السيد محمدحسين الطباطبائي