يُشْرِكُونَ » .
والمعنى : أن اللّه منزّه ومتعال عن شركهم أو عن الشريك الذي يدعونه له ولتنزّهه وتعاليه عن الشريك ينزّل سبحانه الملائكة بمصاحبة الروح الذي هو من سنخ أمره وكلمته في الإيجاد - أو بسببه - على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلّا أنا فاتقون .
وقوله :
عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ
أي إن بعث الرسل وتنزل الملائكة بالروح من أمره عليهم متوقف على مجرد المشية الإلهية من غير أن يقهره تعالى في ذلك قاهر غيره فيجبره على الفعل أو يمنعه من الفعل كما في سائر أفعاله تعالى فإنه تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد .
وقوله :
أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ
بيان لقوله :
« يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ »
لكونه في معنى الوحي أو بيان للروح بناء على كونه بمعنى الوحي ، والإنذار هو إخبار فيه تخويف ، كما أن التبشير هو إخبار فيه سرور على ما ذكره الراغب أو إعلام بالمحذور كما ذكره غيره ، والتقدير على الأول أخبروهم مخوّفين بوحدانيتي في الألوهية ووجوب تقواي ، وعلى الثاني أعلموهم ذلك ، على أن يكون
« أَنَّهُ »
مفعولا ثانيا لا منصوبا بنزع الخافض .
وقد علم بذلك أن قوله :
« فَاتَّقُونِ »
متفرع على قوله :
« لا إِلهَ إِلَّا أَنَا »
والجملتان جميعا مفعول ثان أو في موضعه لقوله :
« أَنْذِرُوا »
ويوضح ذلك أن لا إله وهو الذي يبتدئ منه وينتهي اليه كل شيء أو المعبود بالحق من لوازم صفة ألوهيته أن يتقيه الإنسان لتوقّف كل خير وسعادة اليه ، فلو فرض أنه واحد لا شريك له في ألوهيته كان لازمه أن يتقى وحده لأن التقوى وهو إصلاح مقام العمل فرع لما في مقام الاعتقاد والنظر ، فعبادة الآلهة الكثيرين والخضوع لهم لا يجامع الاعتقاد بإله واحد لا شريك له الذي هو القيوم على كل شيء وبيده زمام كل أمر ، ولذا لم يؤمر نبي أن يدعو إلى توحيد من غير عمل أو إلى عمل من غير توحيد ،