تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 532

مساهمون:

ص٥٣٢
أنهم يفهمون منه معنى واحدا وهو ما به الحياة التي هي ملاك الشعور والإرادة فهذا المعنى هو المراد في الآية الكريمة . وأما حقيقته إجمالا فالذي يفيده مثل قوله تعالى :
يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا
( النبأ / 38 ) ، وقوله :
تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ
( المعارج / 4 ) وغيرهما أنه موجود مستقل ذو حياة وعلم وقدرة وليس من قبيل الصفات والأحوال القائمة بالأشياء كما ربما يتوهم ، وقد أفاد بقوله :
« قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي »
أنه من سنخ أمره ، وعرف أيضا أمره بمثل قوله :
إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ
( يس / 83 ) ، فدل على أنه كلمة الإيجاد التي يوجد سبحانه بها الأشياء أي الوجود الذي يفيضه عليها لكن لا من كل جهة بل من جهة استناد اليه تعالى بلا مادة ولا زمان ولامكان كما يفيده قوله :
وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ
( القمر / 50 ) فإن هذا التعبير إنما يورد فيما لا تدريج فيه أي لا مادة ولا حركة له ، وليكن هذا الإجمال عندك حتى يرد عليك تفصيله فيما سيأتي إن شاء اللّه في تفسير سورة الإسراء . فتحصّل أن الروح كلمة الحياة التي يلقيها اللّه سبحانه إلى الأشياء فيحييها بمشيئته ، ولذلك سمّاه وحيا وعدّ إلقاءه وإنزاله على نبيّه إيحاء في قوله :
وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا
( الشورى / 52 ) ، فإن الوحي هو الكلام الخفي والتفهيم بطريق الإشارة والإيماء فيكون إلقاء كلمته تعالى - كلمة الحياة - إلى قلب النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم وحيا للروح اليه ، فافهم ذلك . فقوله تعالى :
« يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ »
الباء للمصاحبة أو للسببية ولا كثير تفاوت بينهما في المآل كما هو ظاهر عند المتأمل فإن تنزيل الملائكة بمصاحبة الروح إنما هو لإلقائه في روع النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم ليفيض عليه المعارف الإلهية وكذا تنزيلهم بسبب الروح لأن كلمته تعالى أعني كلمة الحياة تحكم في الملائكة وتحييهم كما تحكم في الإنسان وتحييه ، وضمير
« يُنَزِّلُ »
له تعالى والجملة استئناف تفيد تعليل قوله في الآية السابقة :
« سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا
مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 532 | إلياس الكلانتري / السيد محمدحسين الطباطبائي