تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 506

مساهمون:

ص٥٠٦
فمعنى الآية أن ما ذكرت من أنك ستغويهم أجمعين واستثنيت منهم من استثنيت وأظهرت نسبته إلى قوّتك ومشيئتك زاعما فيه أنك مستقل به ، أمر لا يملكه إلا أنا ولا يحكم فيه غيري ولا يصدر إلا عن قضائي فإن أغويت فبإذني أغويت وإن منعت فبمشيئتي منعت فليس إليك من الأمر شيء ولا من الملك إلا ما ملّكتك ولا من القدرة إلا ما أقدرتك ، والذي أقضيه لك من السلطان أن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتّبعك ، الخ . قوله تعالى :
إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ
هذا هو القضاء الذي أشار سبحانه اليه في الآية السابقة في أمر الإغواء وذكر أنه له وحده ليس لغيره فيه صنع ولا نصيب . ومحصّله أن آدم وبنيه كلهم عباده لا كما قاله إبليس حيث قصر عباده على المخلصين منهم إذ قال :
« إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ »
ولم يجعل سبحانه له عليهم - أي على العباد - سلطانا حتى يستقل بأمرهم فيغويهم ، وإنما جعل له السلطان على طائفة منهم وهم الذين اتبعوه من الغاوين وولّوه أمرهم وألقوا اليه زمام تدبيرهم فهؤلاء هم الذين له عليهم سلطان . فإذا أمعنت في الآية وجدتها تردّ على إبليس قوله :
« لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ »
من ثلاث جهات أصلية : إحداها : أنه حصر عباده في المخلصين منهم ونفى عنهم سلطان نفسه وعمّم سلطانه على الباقين واللّه سبحانه عمّم عباده على الجميع وقصر سلطان إبليس على طائفة منهم وهم الذين اتبعوه من الغاوين ونفى سلطانه على الباقين . والثانية : أنه لعنه اللّه ادّعى لنفسه الاستقلال في إغوائهم كما يظهر من قوله :
« لَأُغْوِيَنَّهُمْ »
في سياق المخاصمة والتقريع بالانتقام واللّه سبحانه يردّ عليه بأنه منه مزعمة باطلة وإنما هو عن قضاء من اللّه وسلطان بتسليطه وإنما ملّكه إغواء من اتبعه وكان غاويا في نفسه وبسوء اختياره .