فلم يأت إبليس بشيء من نفسه ولم يفسد أمرا على ربه لا في إغوائه أهل الغواية فإنه بقضاء من اللّه سبحانه أن يستقر لأهل الغواية غيّهم بسببه - وقد اعترف لعنه اللّه بذلك بعض الاعتراف بقوله :
« رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي »
- ولا في استثنائه المخلصين فإنه أيضا بقضاء من اللّه نافذ فلا حكم إلا للّه .
وهذا الذي تفيده الآية الكريمة أعني تسليط إبليس على إغواء الغاوين الذين هم في أنفسهم غاوون وتخليص المخلصين وهم مخلصون في أنفسهم من كيده كل ذلك بقضاء من اللّه ، مبني على أصل عظيم يفيده التوحيد القرآني المفاد بأمثال قوله تعالى :
إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ
( يوسف / 67 ) ، وقوله :
وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ
( القصص / 70 ) ، وقوله :
الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ
( آل عمران / 60 ) ، وقوله :
وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ
( يونس / 82 ) ، وغير ذلك من الآيات الدالّة على أن كل حكم إيجابي أو سلبي فهو مملوك للّه نافذ بقضائه .
قوله تعالى :
وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ
الظاهر أن
« مَوْعِدٌ »
اسم مكان والمراد بكون جهنم موعدهم كونه محل إنجاز ما وعدهم اللّه من العذاب .
وهذا منه سبحانه تأكيد لثبوت قدرته ورجوع الأمر كله اليه كأنه تعالى يقول له ما ذكرته من السلطان على الغاوين ليس لك من نفسك ولم تعجزنا بل نحن سلّطناك عليهم لاتباعهم لك على أنّا سنجازيهم بعذاب جهنم .
ولكون الكلام مسوقا لبيان حالهم اقتصر على ذكر جزائهم ولم يذكر معهم إبليس ولا جزاءه بخلاف قوله :
لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ
( ص / 85 ) وقوله :
فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً
( الإسراء / 63 ) ، لأن المقام غير المقام .
قوله تعالى :
لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ
لم يبين سبحانه في شيء من صريح كلامه ما هو المراد بهذه الأبواب أهي كأبواب الحيطان مداخل تهدي