بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
( الروم / 41 ) ، وقال :
وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ
( الأنبياء / 105 ) .
ومن ذلك يظهر أن الذي استندوا اليه من الحجّة إنما يدل على كون يوم الوقت المعلوم الذي جعله اللّه غاية إنظار إبليس هو يوم يصلح اللّه سبحانه المجتمع الإنساني فينقطع دابر الفساد ولا يعبد يومئذ إلا اللّه لا يوم يموت الخلائق بالنفخة الأولى .
قوله تعالى :
قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ، إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ
الباء في قوله :
« بِما أَغْوَيْتَنِي »
للسببيّة و « ما » مصدرية أي أتسبب بإغوائك إيّاي إلى التزيين لهم وألقي إليهم ما استقر فيّ من الغواية كما قالوا يوم القيامة على ما حكى اللّه :
أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا
( القصص / 63 ) .
وقول بعضهم : إن الباء للقسم أي أقسم بإغوائك لازيننّ ؛ من أردإ القول فلم يعهد في كتاب ولا سنّة أن يقسم بمثل الإغواء والإضلال وليس فيه شيء مفهوم من التعظيم اللازم في القسم .
وقد نسب لعنه اللّه في قوله :
بِما أَغْوَيْتَنِي
إلى اللّه سبحانه أنه أغواه ولم يردّه اللّه سبحانه اليه ولا أجاب عنه وليس مراده به غوايته إذ عصى أمر السجدة ولم يسجد لآدم عليه السّلام والدليل على ذلك أن لا رابطة بين معصيته في نفسه وبين معصية الانسان لربه حتى يكون معصيته سبب معصيتهم ويتسبب هو بها إلى إغوائهم .
وإنما يريد به ما يفيده قوله تعالى :
« وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ »
من استقرار اللعنة المطلقة فيه وهي الابعاد من الرحمة والإضلال عن طريق السعادة وهي إغواء له إثر الغواية التي أبداها من نفسه وأتى بها من عنده فيكون من إضلاله تعالى مجازاة لا إضلالا ابتدائيا وهو جائز غير ممتنع عليه تعالى ، ولذلك لم يرده كما قال تعالى :
يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ
( البقرة / 26 ) ، وقد بيّنا ذلك في ذيل الآية ومواضع أخرى من هذا