أخلصوا للّه وما أخلصهم إلا اللّه سبحانه ، وقد قدمنا في الكلام على الإخلاص في تفسير سورة يوسف أن المخلصين هم الذين أخلصهم اللّه لنفسه بعد ما أخلصوا أنفسهم للّه فليس لغيره سبحانه فيهم شركة ولا في قلوبهم محلّ فلا يشتغلون بغيره تعالى فما ألقاه إليهم الشيطان من حبائله وتزييناته عاد ذكرا للّه مقرّبا اليه .
ومن هنا يترجح أن الاستثناء إنما هو الإغواء فقط لا منه ومن التزيين بمعنى أنه لعنه اللّه يزين للكل لكن لا يغوي إلا غير المخلصين .
ويستفاد من استثناء العباد أولا ثم تفسيره بالمخلصين أن حق العبودية إنما هو بأن يخلص اللّه العبد لنفسه أي أن لا يملكه إلا هو ويرجع إلى أن لا يرى الإنسان لنفسه ملكا وأنه لا يملك نفسه ولا شيئا من صفات نفسه وآثارها وأعمالها وأن الملك - بكسر الميم وضمها - للّه وحده .
قوله تعالى :
قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ
ظاهر الكلام على ما يعطيه السياق أنه كناية على أن الأمر اليه تعالى لا غنى فيه عنه بوجه كما أن كون طريق السفينة على البحر يقضي على راكبيها بأن لا مفرّ لهم مما يستدعيه العبور على الماء من العدّة والوسيلة وكذا كون طريق القافلة على الجبل يحوجهم إلى ما يتهيّأ به لعبور قلله الشاهقة ومسالكه الصعبة فكونه صراطا عليه تعالى بالاستقامة هو أنه أمر متوقف من كل جهة إلى حكمه وقضائه تعالى فإنه اللّه الذي منه يبدأ كل شيء واليه ينتهي فلا يتحقق أمر إلا وهو ربه القيّوم عليه .
وظاهر السياق أيضا أن الإشارة بقوله :
« هذا صِراطٌ »
الخ ؛ إلى قول إبليس
« لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ »
لما أظهر بقوله هذا أنه سينتقم منهم ويبسط سلطته بالتزيين والإغواء عليهم جميعا فلا يخلص منهم إلا القليل كأنه يشير إلى أنه سيستقلّ بما عزم عليه ويعلو بإرادته على اللّه سبحانه فيما أراد من خلقهم واستخلافهم واستعبادهم كما حكاه اللّه تعالى من قوله في موضع آخر من قوله :
وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ
( الأعراف / 17 ) .