تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 504

مساهمون:

ص٥٠٤
الكتاب . وعند هذا يستقيم معنى السببيّة أعني إغواؤه الناس بسبب الإغواء الذي مسّه واستقر فيه فإن البعد من الرحمة والبون من السعادة لما كان لازما لنفسه بلزوم اللعنة الإلهية له كان كلما اقترب من قلب إنسان بالوسوسة والتسويل أو استولى على نفس من النفوس وهو بعيد من الرحمة والسعادة أوجب ذلك بعد من اقترب منه أو تسلط عليه ، وهو إغواؤه بإلقاء أثر الغواية التي عنده اليه وهو ظاهر . وقوله :
لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ
أي لازيننّ لهم الباطل أو لازيننّ لهم المعاصي على ما قيل والمعنى الأول أجمع والمفعول محذوف على أي حال ، والظاهر أن المفعول معرض عنه والفعل مستعمل استعمال اللازم ، والغرض بيان أصل التزيين كناية عن الغرور يقال : زيّن له كذا وكذا أي حمله عليه غرورا ، وضمير « هم » لآدم وذريته على ما يدلّ عليه السياق ، والمراد بالتزيين لهم في الأرض غرورهم في هذه الحياة الأرضية وهي الحياة الدنيا وهو السبب القريب للإغواء فيكون عطف قوله :
« وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ »
عليه من عطف المسبب على السبب المترتب عليه . والآية تشعر بل تدل على ما قدمناه في تفسير آيات جنة آدم في الجزء الأول من الكتاب أن معصية آدم بالأكل من الشجرة المنهيّة عن وسوسة إبليس لم تكن معصية لأمر مولوي بل مخالفة لأمر إرشادي لا يوجب نقضا في عصمته فإنه يعرف الأرض في الآية ظرفا لتزيينه وإغوائه فما كان غروره لآدم وزوجته في الجنة إلا ليخرجهما منها وينزلهما إلى الأرض فيتناسلا فيها فيغويهما وبنيهما عن الحق ويضلهم عن الصراط قال تعالى :
يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما
( الأعراف / 27 ) . وقوله :
إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ
استثنى من عموم الإغواء طائفة خاصة من البشر وهم المخلصون - بفتح اللام على القراءة المشهورة - والسياق يشهد أنهم الذين
مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 504 | إلياس الكلانتري / السيد محمدحسين الطباطبائي