ثم إن الإنسان لو جرى على سلامة فطرته واشتقاق إلى المعرفة والعمل الصالح هداه اللّه فاهتدى العبد للإيمان عن هدايته تعالى ، وأما جريه على سلامة الفطرة فلو سمّي اهتداء فإنما هو اهتداء متفرّع على السلامة الفطرية لو سمّيت هداية .
ولو انحرف الإنسان عن صراط الفطرة بسوء اختياره وجهل مقام ربه وأخلد إلى الأرض واتّبع الهوى وعاند الحق فهو ضلال منه غير مسبوق بإضلال من اللّه - وحاشاه سبحانه - لكنه يستعقب إضلاله عن الطريق مجازاة وتثبيته على ما هو عليه بقطع الرحمة منه وسلب التوفيق عنه وهذا إضلال مسبوق بضلاله من نفسه بسوء اختياره وإزاغة له عن زيغ منه .
وقوله :
وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ
أي يجري تثبيت هؤلاء وإضلال أولئك على ما تقتضيه مشيّته لا مانع له ولا دافع فلا حائل بين مشيته وفعله .
ويظهر من ذلك أن اللّه تعالى قد شاء تثبيت هؤلاء وإضلال أولئك وهو فاعلهما لا محالة فمن القضاء المحتوم سعادة المؤمن وشقاء الكافر وقد وردت به الرواية .
ووقوع لفظ الجلالة في قوله :
« وَيُضِلُّ اللَّهُ »
وقوله :
« وَيَفْعَلُ اللَّهُ »
من وقوع الظاهر موقع المضمر ويدلّ على فخامة الأمر ومهابة الموقف كما قيل .
قوله تعالى :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ
قال في المجمع : الإحلال وضع الشيء في محل إما بمجاورة إن كان من قبيل الأجسام أو بمداخلة إن كان من قبيل الأعراض ، والبوار الهلاك يقال : بار الشيء يبور بورا إذا هلك ورجل بور أي هالك وقوم بور أيضا . انتهى .
وقال الراغب : البوار فرط الكساد ولما كان فرط الكساد يؤدي إلى الفساد كما قيل : كسد حتى فسد ، عبّر بالبوار عن الهلاك يقال : بار الشيء يبور بورا وبؤرا قال عزّ وجل :
تِجارَةً لَنْ تَبُورَ
انتهى .
والآية تذكر حال أئمة الكفر ورؤساء الضلال في ظلمهم وكفرانهم نعمة اللّه سبحانه التي