تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 453

مساهمون:

ص٤٥٣
ومن هنا يظهر فساد قول من قال إن الآيات مدنية ، والمراد بالذين كفروا هم عظماء مكة وصناديد قريش الذين جمعوا الجموع على النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم وحاربوه ببدر فقتلوا وأحلّوا قومهم دار البوار . وذلك أنك عرفت من معنى الآية أنها مطلقة ولا موجب لتخصيصها بقتلى بدر من الكفار أصلا ، بل الآية تشمل كل إمام ضلال أحلّ قومه دار البوار ممن تقدّم وتأخر ، والمراد بإحلال دار البوار إقرارهم في شقاء النار وإن لم يقتلوا ولا ماتوا ولا دخلوا النار بعد . على أن ظاهر الآية التالية
« وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ »
أن ضمير الجمع راجع إلى الذين كفروا المذكورين في هذه الآية ولازمه كون خطاب قل تمتعوا خطابا للباقين منهم وهم الذين أسلموا يوم الفتح وهو إيعاد بشقاء قطعي منجّز من غير استثناء . قوله تعالى :
وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ
الأنداد جمع ندّ وهو المثل وهم الآلهة الذين اتخذوهم آلهة من دون اللّه من الملائكة والجن والإنس . وإنما جعلوها أندادا مع اعترافهم بأنهم مخلوقون للّه سبحانه من جهة أنهم سمّوهم آلهة وأربابا ونسبوا إليهم تدبير أمر العالم ثم عبدوهم خوفا وطمعا مع أن الأمر والخلق كله للّه وقد اعترفت بذلك فطرتهم وأيّد اللّه ذلك بما ألهمه أنبياءه ورسله من الآيات والحجج الدالّة على وحدانيته . فهم كانوا على بصيرة من أمر التوحيد لم يتخذوا الأنداد عن غفلة أو خطأ بل عمدوا إلى ذلك ابتغاء عرض الحياة الدنيا وليستعبدوا الناس ويستدرّوهم بإضلالهم عن سبيل اللّه ، ولذلك علّل اتخاذهم الأنداد بقوله :
« لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ »
ثم أمر النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم أن يوعدهم بالنار التي إليها مرجعهم لا مرجع لهم سواها ، فقال :
« قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ »
.
مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 453 | إلياس الكلانتري / السيد محمدحسين الطباطبائي