يجري مجرى حجة ثانية على إرجاع الأمر كله - ومنه أمر الآية المعجزة - إلى اللّه وهي حجة خاصة بالمؤمنين ، وملخصها أن الإيمان باللّه سبحانه يقتضي منهم أن يذعنوا بأن الإتيان بالآية إنما هو إلى اللّه لأن الحول والقوة له خاصة لا يملك غيره من ذلك شيئا إلا بإذنه .
وذلك لأنه هو اللّه عز شأنه ، فهو الذي يبدأ منه وينتهي اليه ويقوم به كل شيء فهو رب كل شيء المالك لتدبير أمره لا يملك شيء أمرا إلا بإذنه فهو وكيل كل شيء القائم بما يرجع اليه من الأمر ، فعلى المؤمن ان يتخذ ربه وكيلا في جميع ما يرجع اليه حتى في أعماله التي تنسب اليه لما أن القوة كلها له سبحانه وعلى الرسول ان يذعن بأن ليس له الإتيان بآية معجزة إلا بإذن اللّه .
والآية ظاهرة في أن الرسل عليهم السّلام لم يدّعوا امتناع إتيانهم بالآية المعجزة المسماة سلطانا مبينا ، وإنما ادّعوا امتناع أن يستقلوا بذلك من غير حاجة فيه إلى إذن اللّه سبحانه ، واحتجوا على ذلك أولا ، وثانيا .
قوله تعالى :
وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ
ما استفهامية والاستفهام للإنكار ، وقوله :
« وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا »
حال من الضمير في
« لَنا »
وسبل الأنبياء والرسل الشرائع التي كانوا يدعون إليها ، قال تعالى :
قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ
( يوسف / 108 ) والمعنى ما الذي نملكه من العذر في أن لا نتوكل على اللّه والحال أنه تعالى هدانا سبلنا ولم يكن لنا صنع في هذه النعمة والسعادة التي من بها علينا فإذا كان سبحانه فعل بنا هذا الفعل الذي هو كل الخير ، فمن الواجب أن نتوكل عليه في سائر الأمور .
وهذا في الحقيقة حجة ثانية على وجوب التوكل عليه وإلقاء الزمام إليه سلك فيها من طريق الآثار الدالة على وجوب التوكل عليه كما أن الحجة السابقة سلك فيها من النظر في نفس المؤثر ، وتقرير الحجة أن هدايته تعالى إيانا إلى سبلنا دليل على وجوب التوكل عليه لأنه لا يخون عباده ولا يريد بهم إلا الخير ومع وجود الدليل على التوكل لا معنى لوجود دليل على