وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ
( نوح / 4 ) .
قوله تعالى :
قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ
قد تقدم في مباحث النبوّة في الجزء الثاني من الكتاب أن الآية المعجزة حجة عامة على نبوة النبي لا حجة عامية وخاصة الوحي والنبوة التي هي نوع اتصال بالغيب أمر خارق للعادة الجارية بين أفراد الإنسان لا يجدونها من أنفسهم فعلى من يدّعيها الإثبات ، ولا طريق إلى إثباتها إلا بالإتيان بخارق عادة آخر يدلّ على صحة هذا الاتصال الغيبي لأن حكم الأمثال واحد ، وإذا جاز أن تخترق العادة بشيء جاز أن تخترق بما يماثله .
والرسل عليهم السّلام لما احتجوا على كفار أممهم في النبوة العامة بقولهم :
« يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى »
عادت الكفار إليهم بطلب الدليل منهم على ما يدّعونه من النبوة لأنفسهم معتذرين في ذلك بقولهم :
« إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا »
، ثم صرّحوا بما يطلبونه من الدليل وهو الآية المعجزة بقولهم :
« فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ »
.
فالمعنى سلّمنا أن من مقتضى العناية الإلهية أن يدعونا إلى المغفرة والرحمة ، لكنّا لا نسلّم لكم أن هذه الدعوة قائمة بكم كما تدّعون فإنكم بشر مثلنا لا تزيدون علينا بشيء ، ولو كان مجرد البشرية يوجب ذلك لكنّا وجدناه من أنفسنا ونحن بشر ، فإن كنتم صادقين في دعواكم هذه فأتونا بسلطان مبين أي ببرهان قاطع يتسلط على عقولنا ويضطرّنا إلى الإذعان بنبوّتكم وهو آية معجزة غيبة تخرق العادة كما أن ما تدّعونه خارق مثلها .
وبهذا البيان يظهر أولا أن كلامهم هذا من قبيل منع الدعوى ، وقولهم :
« إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا »
سند المنع ، وقولهم :
« فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ »
تصريح بطلب الدليل .
وثانيا أن قولهم :
« تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا »
من قبيل الاعتراض الواقع بين المنع وسنده ومعناه أنكم لما كنتم بشرا مثلنا لا فضل لكم علينا بشيء فلا وجه لأن نقبل