تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 433

مساهمون:

ص٤٣٣
الربوبية إذ لو سيق لمجرد الإنكار على الكفار من غير إشارة إلى برهان لم يكن حاجة إلى ذكر الوصف
« فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ »
ففي ذكره دلالة على أنه مزيل كل شك وريب عنه تعالى . وذلك أنا نرى في أول ما نعقل أن لهذا العالم المشهود الذي هو مؤلف من أشياء كثيرة كل واحد منها محدود في نفسه متميز من غيره وجودا ، وليس وجوده ولا وجود شيء من أجزائه من نفسه وقائما بذاته وإلا لم يتغير ولم ينعدم فوجوده ووجود أجزائه وكذا كل ما يرجع إلى الوجود من الصفات والآثار من غيرها ولغيرها وهذا الغير هو الذي نسمّيه « الله » عز اسمه . فهو تعالى الذي يوجد العالم وكل جزء من أجزائه ويحده ويميزه من غيره فهو في نفسه موجود غير محدود وإلا لاحتاج إلى آخر يحدده فهو تعالى واحد لا يقبل الكثرة لأن ما لا يحد بحد لا يقبل الكثرة . وهو بوحدته يدبّر كل أمر كما أنه يوجده لأنه هو المالك لوجودها والكل أمر يرجع إلى وجودها ، ولا يشاركه غيره في شيء لأن شيئا من الموجودات غيره لا يملك لنفسه ولا لغيره فهو تعالى ربّ كل شيء لا ربّ غيره ، كما أنه موجد كل شيء لا موجد غيره . وهذا برهان تام سهل التناول حتى للأفهام البسيطة يناله الإنسان الذي يذعن بفطرته أن للعالم المشهود حقيقة وواقعية من غير أن يكون وهما مجردا كما يبديه السفسطة والشك ، ويثبت به توحد الألوهية والربوبية ، ولذلك تمسك به في هذا المقام الذي هو مقام خصام الوثنية . وقوله :
وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى
أي لا يعاجلكم بالعقوبة والهلاك ويؤخركم إلى الأجل الذي لا يؤخر وقد سمّاه لكم ولا يبدّل القول لديه ، وقد تقدم في تفسير أول سورة الأنعام أن الأجل أجلان : أجل موقوف معلّق ، وأجل مسمى لا يؤخر . ومن الدليل على هذا الذي ذكرناه قول نوح لقومه في هذا المقام على ما حكاه اللّه سبحانه :