ومن لطيف الصناعة في الآية دخول لام القسم ونون التأكيد على طرفي الترديد « لنخرجنكم أو لتعودن » مع أن أو للاستدراك وتفيد معنى الاستثناء ولا معنى لأن يقال : إلا أن تعودوا واللّه في ملتنا ، إلا أن عودهم لما كان بإجبار من الكفار كان في معنى الإعادة وعاد قوله :
« لَتَعُودُنَّ »
طرف الترديد وصح دخول اللام والنون وآل المعنى إلى قولنا : واللّه لنخرجنكم من أرضنا أو نعيدنكم في ملتنا .
قوله تعالى :
فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ ، وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ
إلى آخر الآية ؛ ضمير الجميع الأول والثاني للرسل والثالث للذين كفروا بدلالة السياق ، والتعبير عنهم بالظالمين للإشارة إلى سببية ظلمهم للإهلاك فإن تعليق الحكم بالوصف مشعر بالعليّة كما أن قوله :
« ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ »
مشعر بعليّة الخوف للإسكان .
وقوله :
مَقامِي
مصدر ميمي أريد به قيامه تعالى على الأمر كله أو اسم مكان أريد به مرتبة قيمومته تعالى للأمر كله ، والمراد من وعيده تعالى ما أوعد به المخالفين عن أمره من العذاب .
فالمراد بالخوف من مقامه تعالى تقواه بما أنه اللّه القائم بأمر عباده والمراد بالخوف من وعيده تقواه بما أنه اللّه الذي حذّر عباده من مخالفة أمره بلسان أنبيائه ورسله فيعود على أي حال إلى التقوى وينطبق على قول موسى لقومه :
اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ
( الأعراف / 128 ) كما أشار إليه في الكشاف .
والمعنى فأوحى رب الرسل إليهم - وقد أخذت صفة الربوبية الخاصة بهم لمكان توكلهم الجالب للرحمة والعناية - وأقسم لنهلكن هؤلاء المهددين لكم بظلمهم ولنسكننكم هذه الأرض التي هددوكم بالإخراج منها ونورثكم إياها لصفة مخافتكم مني ومن وعيدي وكذلك نفعل فنورث الأرض عبادنا المتقين .