من كل جهة فهو جميل ظاهر الجمال يمتنع خفاؤه وإخفاؤه ، فهو تعالى محمود سواء حمده حامد باللسان أو لم يحمد .
على أن كل شيء يحمده بتمام وجوده حتى الكافر بنعمته كما قال تعالى :
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
( الإسراء / 44 ) ، فهو تعالى محمود سواء حمده الناس بألسنتهم أو لم يحمدوه ، وله كل الحمد سواء قصد به هو أو قصد به غيره .
قوله تعالى :
أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ
إلى آخر الآية ؛ من كلام موسى عليه السّلام يذكّر قومه من أيام اللّه في الأمم الماضين ممن فنيت أشخاصهم وخمدت أنفاسهم وعفت آثارهم وانقطعت أخبارهم فلا يعلمهم بحقيقة حالهم تفصيلا إلا اللّه كقوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم .
وقوله :
جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ
الظاهر أن المراد به أن رسلهم جاءوهم بحجج بيّنة تبين الحق وتجليه من غير أي إبهام وريب فمنعوهم أن يتفوّهوا بالحق وسدّوا عليهم طريق التكلم .
فالضميران في
« أَيْدِيَهُمْ »
و
« أَفْواهِهِمْ »
للرسل ، وردّ أيديهم في أفواههم كناية عن إجبارهم على أن يسكتوا ويكفّوا عن التكلم بالحق كأنهم أخذوا بأيدي رسلهم وردّوها في أفواههم إيذانا بأن من الواجب عليكم أن تكفوا عن الكلام ، ويؤيده قوله بعد :
« وَقالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ »
فإن دعوى الشك والريب قبال الحجة البيّنة والحق الصريح الذي لا يبقي مجالا للشك لا تتحقق إلا من جاحد مكابر متحكم مجازف لا يستطيع أن يسمع كلمة الحق فيجبر قائلها على السكوت والصمت .
وأما قوله :
وَقالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ
فهو نحو بيان لقوله :
« فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ »
والجملة الأولى أعني قولهم :
« إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ »
إنكار للشريعة الإلهية التي هي متن الرسالة ، والجملة الثانية أعني قولهم :