ثم قال تعالى
فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ
جمع بين الزبدين أعني زبد السيل وزبد ما يوقدون عليه وقد كانا متفرقين في الذكر لاشتراك الجميع فيما يذكر من الخاصة وهو أنه يذهب جفاء ، ولذا قدمنا آنفا أن الآية تتضمن مثلا واحدا وإن انحل إلى غير واحد من الأمثال .
وقد عدل عن ذكر الماء وغيره إلى قوله :
« وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ »
للدلالة على خاصة يختص بها الحق وهو أن الناس ينتفعون به وهو الغاية المطلوبة لهم .
والمعنى : فأما الزبد الذي كان يطفو على السيل ويعلوه أو يخرج مما يوقدون عليه في النار فيذهب جفاء ويصير باطلا متلاشيا ، وأما الماء الخالص أو العين الأرضية المصوغة وفيهما انتفاع الناس وتمتعهم في معاشهم فيمكث في الأرض ينتفع به الناس .
ثم قال تعالى
كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ
وختم به القول أي إن الأمثال المضروبة للناس في كلامه تعالى يشابه المثل المضروب في هذه الآية في أنها تميز الحق من الباطل وتبين للناس ما ينفعهم في معاشهم ومعادهم .
ولا يبعد أن تكون الإشارة بقوله :
« كَذلِكَ »
إلى ما ذكره من أمر نزول المطر وجريان الأودية بسيولها المزبدة وإيقاد المواد الأرضية وخروج زبدها ، أعني أن تكون الإشارة إلى نفس هذه الحوادث الخارجية والتكونات العينية لا القول فيدل على أن هذه الوقائع الكونية والحوادث الواقعة في عالم الشهادة أمثال مضروبة تهدي اولي النهي والبصيرة إلى ما في عالم الغيب من الحقائق كما أن ما في عالم الشهادة آيات دالة على ما في عالم الغيب على ما تكرر ذكره في القرآن الكريم ، ولا كثير فرق بين كون هذه المشهودات أمثالا مضروبة أو آيات دالة وهو ظاهر .
قوله تعالى :
لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ
إلى آخر الآية ؛ المهاد الفراش الذي يوطأ لصاحبه والمكان الممهد الموطأ وسميت جهنم لأنها