ان الاستدلال بقانون الانتخاب الطبيعي يفسر عملية ( بقاء الأصلح ) ، ولكنه لا يستطيع
ان يفسر حدوث هذا الأصلح : ( 1 ) .
ثانيا : اللا شعور ودليل علم النفس :
لنعالج الآن الدليل الذي يقدمه علم النفس والقائل بان الاله والآخرة قياس للشخصية
الانسانية واما نيها على مستوى الكون . ولست بمستطيع ان أدرك نقطة الاستدلال في هذا
الدليل . ولو انني ادعيت بدوري ان الشخصية الانسانية وأمانيها موجودة فعلا على مستوى
الكون فلست أدري ما عسى ان يبطل ادعائي هذا من منطق المعارضين ؟ !
نحن نعرف ان مادة ( الجنين ) التي لا تشاهد الا بالمنظار تنبئ في ذاتها عن انسان
طوله 72 بوصة ، وان ( الذرة ) التي لا تقبل المشاهدة تحتوي نظاما رياضيا كونيا يدور
عليه النظام الشمسي ، فلا عجب اذن ان يكون النظام الذي نشاهده على مستوى الانسان في
الجنين ، وعلى مستوى النظام الشمسي في الذرة موجودا أيضا ، وبصورة أكمل على مستوى
الكون . ان ضمير الانسان وفطرته ينشدان عالما متطورا كاملا ، فلو كان هذا الامل صدى
لعالم حقيقي فلست أرى في ذلك أي ضرب من ضروب الاستحالة ! !
( 1 ) لا شك في قول العلماء : ان الذهن الانساني يحتفظ بأفكار قد تظهر فيما بعد في
صورة غير عادية . ولكن سوف يكون قياسا مع الفارق ان نعتمد على هذه الفكرة كي نبطل
الدين . فهو قياس في غير محله ، وهو يعتبر استدلالا غير عادي من واقع عادي . فهو أشبه
بمن يشاهد مثالا يصنع صنما فيصرخ : هذا هو الذي قام بعملية خلق الانسان .
ومن معايب الفكر الحديث انه يستنبط من حادث عادي دليلا غير عادي ، فهذا الدليل لا
وزن له من الناحية المنطقية ، ولو افترضنا ان رجلا يسير في شارع اخذ يهذي بكلام غريب
نتيجة لأفكار مختزنة في ذهنه ، فهل يمكن ان نستغل هذا الحادث في البحث في كلام
الأنبياء ، وهو الكلام الذي يكشف سر هذا الكون . . ؟ ؟ سوف يكون هذا الاستدلال غير علمي ،
وغير منطقي ، ولسوف يدل على أن صاحبه يفتقر إلى القيم حتى يستطيع التفرقة بين كلام
رجل الشارع وكلام الأنبياء ، فلا يدعي ان هذا الهذيان هو المسؤول عما جاء به الدين .
فالقيم تتغير ذاتيا بتغير الأوضاع ، ومن الخطأ الظن بأنها لا توجد إلا عند أصحاب
الفكر الحديث .
هامش
( 1 ) Revolt against Reason , A . Lunn , p . 133 .