فإذا سلمنا بهذه النظرية واجهنا سؤالا هاما هو : ما العدل ؟ ، وكيف يمكن تعيينه ؟ ،
وهكذا مرة أخرى ، نرجع إلى جون آستين ! .
ومرة أخرى نقف أمام ظاهرة أن الانسان لن يستطيع الكشف عن أساس واقعي للتشريع ، رغم
الجهود الجبارة التي بذلت في هذا الحقل منذ مئات السنين ، ويزداد يوما بعد يوم شعور
بالمرارة وخيبة الأمل بين رجال التشريع ، لأن الفلسفة الحديثة قد فشلت في بحثها عن
أهداف الدستور .
ويتساءل البروفسور جورج وهيتكروس باتون قائلا :
ما ( المصالح ) التي لابد للدستور المثالي أن يحافظ عليها ؟ انه سؤال يتعلق بالقيم ،
ويدخل في دائرة فلسفة التشريع . وما أكثر ما نرجو من الفلسفة أن تساعدنا ، ولكن ما
أقل ما هي مستعدة لبذله في هذه السبيل . فقد فشلنا في الكشف عن ميزان للقيم يمكن
قبوله لدى جميع الأطراف .
والحقيقة أنه ليس هناك من أساس لشيء من النظم الا للدين ، ولكن الحقائق الدينية تصلح
كعقيدة ووجدان ، ولا يمكن قبولها على أساس الاستدلال المنطقي ( 1 ) .
وقد نقل البروفسور باتون رأيا لبعض علماء التشريع ؟ يقول : ان جميع محاولات
الدراسة الفلسفية للبحث عن الأهداف في فلسفة التشريع قد انتهت إلى غير ما
نتيجة ( 2 ) . ويتساءل باتون : أهناك حقا قيم مثالية تحدد الأسس عند تطوير التشريعات ؟
لم يتمكن المشرعون من التوصل إلى هذه القيم حتى الآن ، غير أنها لابد منها . ويستطرد
قائلا :
لقد استخرج أصحاب نظرية ( القانون الطبيعي ) القديمة أسسهم من الحقائق الإلهامية في
الدين . ولكن إذا ما أردنا نحن أن نأتي بتشريع علماني ، فأين سنجد أساس القيم المتفق
عليها ( 3 ) ؟ .
وهذه التجربة المريرة تدعو الانسان للعودة إلى الجهة التي انحرف عنها منذ قرون . فقد
كان الدين يسهم اسهاما فعالا في وضع دساتير في الزمن القديم . . ويرى خبير القانون
المعروف السير هنري مين : أنه لا يوجد مثال واحد في القوانين ، التي تم تسجيلها
كتابة ، من قانون الصين إلى بيرو ، الا وكان ذا علاقة بالطقوس الدينية والعبادات منذ
بداية أمره ( 4 ) .
هامش
( 1 ) A Text Book of Jurisprudence , p . 104 .
( 2 ) المصدر السابق : ص 106 ،
( 3 ) المصدر السابق ؟ 109 .
( 4 ) Sir Henry Maine , Early Law & Custom , P . 5 .