تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الينابيع الفقهية — صفحة 54

مساهمون:

ص٥٤
وذهبت طائفة إلى أنه يتربص أربعة أشهر فإذا انقضت وقع بانقضائها طلقة بائنة ووقعت الفئة بالمدة فإن فاء فيها فقد وفاها حقها في وقته ، وإن ترك الجماع وقعت الطلقة بانقضاء المدة ، ذهب إليه الثوري وابن أبي ليلى ، وأبو حنيفة وأصحابه ، ويروى ذلك عن ابن مسعود وابن عباس ، وقد طعن في هذه الرواية عن ابن عباس لأنه كان يذهب إلى أن الإيلاء على التأبيد وهو أصح . وذهبت طائفة إلى أنه يقع الطلاق بانقضاء المدة ، ولكن لا تكون طلقة بائنة ، ذهب إليه الزهري وسعيد بن جبير . دليلنا : قوله تعالى : للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم ، وفيها أدلة أربعة : أحدها : إن الله تعالى أضاف المدة إلى المولى بلام التمليك فقال : للذين يؤلون من نسائهم ، فإذا كانت حقا له لم يصح أن يكون الأجل المضروب له محلا لحق غيره فيه ، كما تقول في من عليه دين إلى سنة أن لا يوفي إلى سنة ، فالسنة ليست محلا لحق غيره فيها . والثانية : جعل له التربص وأخبر أن له الفئة بعدها فقال له : تربص أربعة أشهر فإن فاءوا - " والفاء " للتعقيب - ثبت أن وقت الفئة بعد التربص . والثالثة : إن الله تعالى قال " فإن فاءوا " يعني " جامعوا " فأضاف ذلك إلى المولى ، وقال : وإن عزموا الطلاق ، فأضاف الطلاق عليه أيضا وهو إلى عزمه وإيقاعه ثبت أن الطلاق يقع بفعله كما تقع الفئة بفعله ، وعندهم لا فعل له في الطلاق . والرابعة : إن الله تعالى قال : فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم ، فوصف نفسه بالغفران إذا هو فاء ، وهو وإن لم يكن مأثوما بالفئة فهو في صورة من يفتقر إلى غفران لأنه حنث وهتك حرمة الاسم ، فلما كان في صورة من يغفر له وصف الله نفسه بالغفران له ، ولما قال : وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم ، أفاد أن هناك ما يسمع ويقال إذ لو لم يكن كذلك لما وصف نفسه بأنه يسمع ذلك .