أعلى الأدب معه صلّى اللّه عليه وآله وسلم إذ اخبره ربه ومؤدبه بالعفو قبل الذنب ، وهو منتهى التكريم واللطف .
وبالغ آخرون كالرازي في الطرف الآخر فأرادوا ان يثبتوا ان العفو لا يدل على الذنب ، وغايته ان الإذن الذي عاتبه اللّه عليه هو خلاف الأولى .
وهو جمود مع الاصطلاحات المحدثة والعرف الخاص في معنى الذنب هو المعصية ، وما كان ينبغي لهم ان يهربوا من إثبات ما اثبته اللّه في كتابه تمسكا باصطلاحاتهم وعرفهم المخالف له والمدلول اللغة أيضا .
فالذنب في اللغة كل عمل يستتبع ضررا أو فوت منفعة أو مصلحة ، مأخوذ من ذنب الدابة ، وليس مرادفا للمعصية بل أعم منها . والإذن المعفو عنه قد استتبع فوت المصلحة المنصوصة في الآية وهي تبين الذين صدقوا والعلم بالكاذبين ، وقد قال تعالى :
إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ
الآية ( الفتح / 2 ) .
ثم ذكر في كلام له طويل ان ذلك كان اجتهادا منه صلّى اللّه عليه وآله وسلم فيما لا وحي فيه من اللّه وهو جائز وواقع من الأنبياء عليهم السّلام وليسوا بمعصومين من الخطاء فيه وإنما العصمة المتفق عليها خاصة بتبليغ الوحي ببيانه والعمل به فيستحيل على الرسول ان يكذب أو يخطئ فيما يبلغه عن ربه أو يخالفه بالعمل .
ومنه ما تقدم في سورة الأنفال من عتابه تعالى لرسوله صلّى اللّه عليه وآله وسلم في اخذ الفدية من أسارى بدر حيث قال :
ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ
( الأنفال / 67 ) ثم بين انه كان مقتضيا لنزول عذاب أليم لولا كتاب من اللّه سبق فكان مانعا انتهى كلامه بنوع من التخليص .
وليت شعري ما الذي زاد في كلامه على ما تفصّى به الرازي وغيره حيث ذكروا ان ذلك من ترك الأولى ، ولا يسمونه ذنبا في عرف المتشرعين وهو الذي يستتبع عقابا ، وذكر هو انه من ترك الأصلح وسماه ذنبا لغة .