تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 769

مساهمون:

ص٧٦٩
على انك قد عرفت فيما تقدم انه لم يكن ذنبا لا عرفا ولا لغة بدلالة ناصة من الآيات على أن عدم خروجهم كان هو الأصلح لحال جيش المسلمين لتخلصهم بذلك عن غائلة وقوع الفتنة واختلاف الكلمة ، وكانت هذه العلة بعينها موجودة لو لم يأذن لهم النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم وظهر منهم ما كانوا ابطنوه من الكفر والخلاف وأن الذي ذكره اللّه بقوله :
« وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً »
ان عدم إعدادهم العدة كان يدل على عدم إرادتهم الخروج ، كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم اجل من أن يخفى عليه ذلك وهم بمرأى منه ومسمع . مضافا إلى أنه صلّى اللّه عليه وآله وسلم كان يعرفهم في لحن القول كما قال تعالى :
وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ
( محمّد / 30 ) وكيف يخفى على من سمع من أحدهم مثل قوله :
« ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي »
أو يقول للنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم
« هُوَ أُذُنٌ »
أو يلمزه في الصدقات ولا ينصح له صلّى اللّه عليه وآله وسلم أن ذلك من طلائع النفاق يطلع منهم وما وراءه إلّا كفر وخلاف . فقد كان النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم يتوسم منهم النفاق والخلاف ويعلم بما في نفوسهم ، ومع ذلك فعتابه صلّى اللّه عليه وآله وسلم بأنه لم لم يكف عن الإذن ولم يستعلم حالهم ولم يميزهم من غيرهم ؟ ليس إلّا عتابا غير جديّ للغرض الذي ذكرناه . وأما قوله : « إن الإذن المعفوّ عنه قد استتبع فوت المصلحة المنصوصة في الآية وهي تبين الذين صدقوا والعلم بالكاذبين » ففيه أن الذي تشتمل عليه الآية من المصلحة هو تبين الذين صدقوا للنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم وعلمه هو بالكاذبين لا مطلق تبينهم ولا مطلق العلم بالكاذبين ، وقد ظهر مما تقدم انه صلّى اللّه عليه وآله وسلم لم يكن يخفى عليه ذلك ، وأن حقيقة المصلحة إنما كانت في الإذن وهي سدّ باب الفتنة واختلاف الكلمة فإنه صلّى اللّه عليه وآله وسلم كان يعلم من حالهم انهم غير خارجين البتّة سواء أذن لهم في القعود أم لم يأذن فبادر إلى الإذن حفظا على ظاهر الطاعة ووحدة الكلمة . وليس لك ان تتصور انه لو بان نفاقهم يومئذ وظهر خلافهم بعدم إذن النبي لهم بالقعود لتخلص الناس من تفتينهم وإلقائهم الخلاف لما في الاسلام يومئذ - وهو يوم خروج
مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 769 | إلياس الكلانتري / السيد محمدحسين الطباطبائي