تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 766

مساهمون:

ص٧٦٦
وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ
الجملة الأولى دعاء للنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم بالعفو نظير الدعاء على الانسان بالقتل في قوله :
قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ
( عبس / 17 ) ، وقوله :
فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ
( المدثر / 19 ) وقوله :
قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ
( التوبة / 30 ) . والجملة متعلقة بقوله :
« لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ »
أي في التخلف والعقود ، ولما كان الاستفهام للإنكار أو التوبيخ كان معناه : كان ينبغي ان لا تأذن لهم في التخلف والقعود ، ويستقيم به تعلق الغاية التي يشتمل عليها قوله :
« حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا »
الآية ؛ بقوله :
« لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ »
فالتعلق إنما هو بالمستفهم عنه دون الاستفهام وإلّا أفاد خلاف المقصود ، والكلام مسوق لبيان ظهور كذبهم وأن أدنى الامتحان كالكف عن إذنهم في القعود يكشف عن فصاحتهم . ومعنى الآية : عفا اللّه عنك لم أذنت لهم في التخلف والقعود ؟ ولو شئت لم تأذن لهم - وكانوا أحق به - حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين فيتميز عندك كذبهم ونفاقهم . والآية - كما ترى وتقدمت الإشارة اليه - في مقام دعوى ظهور كذبهم ونفاقهم وأنهم مفتضحون بأدنى امتحان يمتحنون به ، ومن مناسبات هذا المقام إلقاء العتاب إلى المخاطب وتوبيخه والإنكار عليه كأنه هو الذي ستر عليهم فضائح اعمالهم وسوء سريرتهم ، وهو نوع من العناية الكلامية يتبين به ظهور الأمر ووضوحه لا يراد أزيد من ذلك فهو من اقسام البيان على طريق « إياك اعني واسمعي يا جارة » . فالمراد بالكلام إظهار هذه الدعوى لا الكشف عن تقصير النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم وسوء تدبيره في احياء امر اللّه ، وارتكابه بذلك ذنبا - حاشاه - وأولوية عدم الإذن لهم معناها كون عدم الإذن انسب لظهور فضيحتهم وأنهم أحق بذلك لما بهم من سوء السريرة وفساد النية لا لأنه كان أولى وأحرى في نفس وأقرب وأمس بمصلحة الدين . والدليل على هذا الذي ذكرنا قوله تعالى بعد ثلاث آيات :
« لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ »
إلى آخر الآيتين ، فقد كان