غير أن من المسلّم الذي لا مرية فيه أن الرحمة التي وعد اللّه كتابته لليهود بشرط التقوى والإيمان بآيات اللّه ليست بحيث تختص بالذين آمنوا منهم بالنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم ، ويحرم عنها صالحو بني إسرائيل من لدن أجاب اللّه دعوة موسى عليه السّلام إلى أن بعث اللّه محمدا صلّى اللّه عليه وآله وسلم فآمن به شرذمة قليلة من اليهود ، فإن ذلك مما لا ينبغي توهمه أصلا . فبين موسى وعيسى عليهما السّلام ، وكذا بعد عيسى عليه السّلام ممن آمن به من بني إسرائيل جمّ غفير من المؤمنين الذين آمنوا بالدعوة الإلهية فقبل اللّه منهم إيمانهم ووعدهم بالخير ، والكلام الإلهي بذلك ناطق فكيف يمكن أن تقصر الرحمة الإلهية المبسوطة على بني إسرائيل في جماعة قليلة منهم آمنوا بالنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم .
فقوله :
« الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ »
الآية ؛ وإن كان بيانا لقوله :
« وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ »
إلا أنه ليس بيانا مساويا في السعة والضيق لمبيّنه بل بيان مستخرج من مبيّنه انتزع منه ، وخص بالذكر ليستفاد منه فيما هو الغرض من سوق الكلام ، وهو بيان حقيقة الدعوة المحمدية ، ولزوم إجابتهم لها وتلبيتهم لداعيها .
ولذلك في القرآن الكريم نظائر من حيث التضييق والتوسعة في البيان كما قال تعالى حاكيا عن إبليس :
« فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ »
الآية ؛ ثم قال في موضع آخر حاكيا عنه
لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ
( النساء / 119 ) فإن القول الثاني المحكي عن إبليس مستخرج من عموم قوله المحكي أولا :
لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ *
.
وقال تعالى في أول هذه السورة :
وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ
- إلى أن قال -
يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ
الآية ؛ وقد تقدم أن ذلك من قبيل استخراج الخطاب من الخطاب لغرض التعميم إلى غير ذلك من النظائر .
فيؤول معنى بيانية قوله :
« الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ »
إلى استخراج بيان من بيان للتطبيق على مورد الحاجة كأنه قيل : فإذا كان المكتوب من رحمة اللّه لبني إسرائيل قد كتب للذين