اللّه به أنه سيكتب رحمته للذين آمنوا واتقوا فكأنه قال : اكتب رحمتك لمن هاد إليك منا ، فأجابه اللّه أن سأكتب رحمتي لمن هاد واتقى وآمن بآياتي فكان في ذلك تقييد لمسألته .
ولا ضير في ذلك فإنه سبحانه هو الهادي لأنبيائه ورسله المعلم لهم يعلّم كليمه أن يقيّد مسألته بالتقوى وهو الورع عن محارمه وبالإيمان بآياته وهو التسليم لأنبيائه وللأحكام النازلة إليهم ، ولا يطلق الهود وهو الرجوع إلى اللّه بالإيمان به ، فهذا تصرف في دعاء موسى بتقييده كما تصرّف تعالى في دعاء إبراهيم بالتقييد في قوله :
قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ
( البقرة / 124 ) ، وبالتعميم والإطلاق في قوله فيما يحكي من دعائه لأهل مكة :
وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ
( البقرة / 126 ) ، فقد تبين أولا أن الآية تتضمن استجابته تعالى لدعاء موسى :
« وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ »
بتقييد ما له فمن العجيب ما ذكره بعضهم : أن الآية بسياقها تدل على أن اللّه سبحانه رد دعوة موسى ولم يستجبها ، وكذا قول بعضهم : إن موسى عليه السّلام دعا لقومه فاستجابه اللّه في حق أمة محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلم بناء على بيانيّة قوله :
« الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ »
الآية ؛ لقوله :
« لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ »
الآية وسيجيء .
وثانيا : أنه تعالى استجاب ما اشتمل عليه الفصل الأول من دعائه فإنه تعالى لم يرده ، وحاشا أن يحكي اللّه في كلامه دعاء لاغيا غير مستجاب ، وقوله :
« فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ »
الآية فإنه يحاذي ما سأله عليه السّلام من الحسنة المستمرة الباقية في الدنيا والآخرة لقومه ، وأما طلب المغفرة لذنب دفعي صدر عنهم بقولهم :
« أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً »
فلا يحاذيه قوله :
« فَسَأَكْتُبُها »
الآية ؛ بوجه ، فسكوته تعالى عن رد دعوته دليل إجابتها كما في سائر الموارد التي تشابهه في القرآن .
ويلوّح إلى استجابة دعوته لهم بالمغفرة قوله في القصة في موضع آخر :
ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ