تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 582

مساهمون:

ص٥٨٢
بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
( البقرة / 56 ) فمن البعيد المستبعد أن يحييهم اللّه بعد إهلاكهم ولم يغفر لهم ذنبهم الذي أهلكوا به . وعلى أي حال معنى الآية
« فَسَأَكْتُبُها »
أي سأكتب رحمتي وأقضيها وأوجبها استعيرت الكتابة للإيجاب لأن الكتابة أثبت وأحكم
« لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ »
ويجتنبون المعاصي وترك الواجبات
« وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ »
وهي الحق المالي أو مطلق الإنفاق في سبيل اللّه الذي ينمو به المال ، ويصلح به مفاسد الاجتماع ، ويتم به نواقصه ، وربما قيل : إن المراد بها زكاة النفس وطهارتها ، وإيتاء الزكاة إصلاح أخلاق النفس . وليس بشيء .
« وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ »
أي يسلّمون لما جاءتهم من عند اللّه من الآيات والعلامات سواء كانت آيات معجزة كمعجزات موسى وعيسى ومحمد عليه السّلام وعليهم ، أو أحكاما سماوية كشرائع موسى وأوامره وشرائع غيره من الأنبياء ، أو الأنبياء أنفسهم أو علامات صدق الأنبياء كعلائم محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلم التي ذكرها اللّه تعالى لهم في كتاب موسى وعيسى عليهما السّلام فكل ذلك آيات له تعالى يجب عليهم وعلى غيرهم أن يؤمنوا بها ويسلموا لها ، ولا يكذبوا بها . وفي الآية التفات من سياق التكلم مع الغير إلى الغيبة فإنه قال أولا :
« وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا »
. ثم قال :
« قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ »
الآية وكأن النكتة فيه إظهار ماله سبحانه من العناية الخاصة باستجابة دعاء الداعين من عباده فيقبل عليهم هو تعالى من غير أن يشاركه فيه غيره ولو بالتوسط فإن التكلم بلفظ المتكلم مع الغير لإظهار العظمة لمكان أن العظماء يتكلمون عنهم وعن أتباعهم فإذا أريد إظهار عناية خاصة بالمخاطب أو بالخطاب تكلم بلفظ المتكلم وحده . وعلى هذا جرى كلامه تعالى فاختار سياق المتكلم وحده المناسب المناجاة والمسارّة فيما حكى من أدعية أنبيائه وأوليائه واستجابته لهم في كلامه كأدعية نوح وإبراهيم ودعاء موسى ليلة الطور ، وأدعية سائر الصالحين واستجابته لهم ، ولم يعدل عن سياق المتكلم وحده إلا
مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 582 | إلياس الكلانتري / السيد محمدحسين الطباطبائي