النعمة ، ولا يتحقق ذلك إلا لعدم استعداد المعذّب بواسطة الكفران والذنب لإفاضة النعمة عليه وشمول الرحمة له ، فسبب العذاب في الحقيقة عدم وجود سبب الرحمة .
وأما سعة الرحمة وإفاضة النعمة فمن المعلوم أنه من مقتضيات الألوهية ولوازم صفة الربوبية فما من موجود مخلوق إلا ووجود نعمة لنفسه ولكثير ممن دونه لارتباط أجزاء الخلقة ، وكل ما عنده من خير أو شر نعمة إما لنفسه ولغيره كالقوة والثروة وغيرهما التي يستفيد منها الإنسان وغيره ، وإما لغيره إذا كان نقمة بالنسبة إليه كالعاهات والآفات والبلايا يستضر بها شيء وينتفع أشياء وعلى هذا فالرحمة الإلهية واسعة كل شيء فعلا لا شأنا ، ولا يختص بمؤمن ولا كافر ولا ذي شعور ولا غيره ولا دنيا ولا آخرة ، والمشيئة لازمة لها .
نعم تحقق العذاب والنقمة في بعض الموارد - وهو معنى قياسي - يوجب أن يتحقق هناك رحمة تقابلها وتقاس إليها فإن حرمان البعض من النعمة التي أنعم اللّه بها على بعض آخر إذا كان عذابا كان ما يجده البعض الآخر رحمة تقابل هذا العذاب ، وكذا نزول ما يتألم به ويؤذي على بعض كالعقوبات الدنيوية والأخروية إذا كان عذابا كان الأمن والسلامة التي يجدها البعض الآخر رحمة بالنسبة إليه وتقابله ، وإن كانت الرحمة المطلقة بالمعنى الذي تقدم بيانه بشملها جميعا .
فهناك رحمة إلهية عامة يتنعم بها المؤمن والكافر والبرّ والفاجر وذو الشعور وغير ذي الشعور فيوجدون بها ويرزقون بها في أول وجودهم ثم في مسيرة الوجود ما داموا سالكين سبيل البقاء ، ورحمة إلهية خاصة وهي العطية الهنيئة التي يجود بها اللّه سبحانه في مقابل الإيمان والعبودية ، وتختص لا محالة بالمؤمنين الصالحين من عباده من حياة طيبة نورانية في الدنيا ، وجنة ورضوان في الآخرة ولا نصيب فيها للكافرين والمجرمين ، ويقابل الرحمة الخاصة عذاب وهو اللاملائم الذي يصيب الكافرين والمجرمين من جهة كفرهم وجرمهم في الدنيا كعذاب الاستئصال والمعيشة الضنك وفي الآخرة من النار وآلامها ، ولا يقابل الرحمة العامة شيء من
مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 579
مساهمون: إلياس الكلانتري
ص٥٧٩