تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 580

مساهمون:

ص٥٨٠
العذاب إذ كل ما يصدق عليه اسم شيء فهو من مصاديق الرحمة العامة لنفسه أو لغيره ، وكونه رحمة هي المقصودة في الخلقة ، وليس وراء الشيء شيء . إذا تحقق هذا تبين أن قوله تعالى :
« عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ »
بيان لخصوص العذاب وعموم الرحمة ، وإنما قابل بين العذاب والرحمة العامة مع عدم تقابلهما لأن ذكر الرحمة العامة توطئة وتمهيد لما سيذكره من صيرورتها رحمة خاصة في حق المتقين من المؤمنين . وقد اتضح بما تقدم أن سعة الرحمة ليست سعة شأنيّة وأن قوله :
« وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ »
ليس مقيدا بالمشيئة المقدرة بل من لوازم سعة الرحمة الفعلية كما تقدم ، وذلك لأن الظاهر من الآية أن المراد بالرحمة العامة وهي تسع كل شيء بالفعل وقد شاء اللّه ذلك فلزمتها فلا محل لتقدير « إن شئت » خلافا لظاهر كلام جمع من المفسرين . قوله تعالى :
فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ
تفريع على قوله :
« عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي »
الآية ؛ أي لازم وجوب إصابة العذاب بعض الناس وسعة الرحمة لكل شيء أن أوجب الرحمة على البعض الباقي ، وهم الذين يتقون ويؤتون الزكاة الآية . وقد ذكر سبحانه الذين تنالهم الرحمة بأوصاف عامة وهي التقوى وإيتاء الزكاة والإيمان بآيات اللّه من غير أن يقيّدهم بما يخص قومه كقولنا : للذين يتقون منكم ونحو ذلك لأن ذلك مقتضى عموم البيان في قوله :
« عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ »
الآية والبيان العام ينتج نتيجة عامة . وإذا قوبلت مسألة موسى بالآية كانت الآية بمنزلة المقيدة لها فإنه عليه السّلام سأل الحسنة والرحمة لقومه ثم عللها بقوله :
« إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ »
فكان معنى ذلك مسألة الرحمة لكل من هاد ورجع منهم بأن يكتب اللّه حسنة الدنيا والآخرة لمجرد هودهم وعودهم إليه فكان فيما أجابه