تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 578

مساهمون:

ص٥٧٨
يذكر من دعائه المرتبط بحالهم إلا هذا الدعاء فهو إنما سأله ذلك تلويحا بقوله
« فَاغْفِرْ لَنا »
الخ ؛ كما تقدم لا تصريحا . قوله تعالى :
وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ
أي رجعنا إليك من هاد يهود إذا رجع ، وهو أعني قوله :
« إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ »
تعليل لهذا الفصل من الدعاء سأل فيه أن يكتب اللّه أي يقضي لهم بحسنة في الدنيا وحسنة في الآخرة والمراد بالحسنة لا محالة الحياة والعيشة الحسنة فإن الرجوع إلى اللّه أي سلوك طريقته والتزام سبيل فطرته يهدي الإنسان إلى حياة طيبة وعيشة حسنة في الدنيا والآخرة جميعا ، وهذا هو الوجه فيما ذكرنا أن قوله :
« إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ »
تعليل لهذا الفصل من دعائه فإن الحياة الطيبة من آثار الرجوع إلى اللّه ، وهي شيء من شأنه أن يرزقوه - لو رزقوا - في مستقبل أمرهم ، وهو المناسب للكتابة والقضاء ، وأما الفصل الأول من الدعاء أعني قوله :
« فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا »
الخ ؛ فتكفي في تعليله الجمل السابقة عليه ، وما احتف به من قوله :
« أَنْتَ وَلِيُّنا »
وقوله :
« وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ »
ولا يتعلق بقوله :
« إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ »
فافهم ذلك . قوله تعالى :
قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ
هذا جواب منه سبحانه لموسى ، وفيه محاذاة لما قدّمه موسى قبل مسألته من قوله :
« رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ »
، وقد قيّد اللّه سبحانه إصابة عذابه بقوله :
« مَنْ أَشاءُ »
دون سعة رحمته لأن العذاب إنما ينشأ من اقتضاء من قبل المعذبين لا من قبله سبحانه ، قال تعالى
ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ
( النساء / 147 ) وقال :
لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ
( إبراهيم / 7 ) فلا يعذّب اللّه سبحانه باقتضاء من ربوبيته ولو كان كذلك لعذّب كل أحد بل إنما يعذب بعض من تعلقت به مشيته فلا تتعلق مشيته إلا بعذاب من كفروا نعمه فالعذاب إنما هو باقتضاء من قبل المعذّبين لكفرهم لا من قبله . على أن كلامه سبحانه يعطي أن العذاب إنما حقيقته فقدان الرحمة ، والنقمة عدم بذل