تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 577

مساهمون:

ص٥٧٧
ولذلك أخذ يمهد الكلام رويدا ويسترحم ربه بجمل من الثناء حتى يهيج الرحمة على الغضب ، ويثير الحنان والرأفة الإلهية ثم يتخلص إلى مسألته وذكر حاجته في جو خال من موانع الإجابة .
« قالَ »
مبتدئا باسم الربوبية المهيجة للرحمة :
« رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ »
فالأمر إلى مشيتك ، ولو أهلكتهم من قبل
« وَإِيَّايَ »
لم يتجه من قومي إلي تهمة في هلاكهم ، ثم ذكر أنه ليس من شأن رحمته وسنة ربوبيته أن يؤاخذ قوما بفعل سفهائهم فقال في صورة الاستفهام تأدبا
« أَ تُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا »
؟ ثم أكد القول بقوله :
« إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ »
وامتحانك
« تُضِلُّ بِها »
أي بالفتنة
« مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ »
أي أن هذا المورد أحد موارد امتحانك وابتلائك العام الذي تبتلي به عبادك وتجريه عليهم ليضل من ضل ويهتدي من اهتدى ، وليس من سنتك أن تهلك كل من افتتن بفتنتك فانحرف عن سوي صراطك . وبالجملة أنت الذي سبقت رحمتك غضبك ليس من دأبك أن تستعجل المسيئين من عبادك بالعقوبة أو تعاقبهم بما فعل سفاؤهم ، وأنت الذي أرسلتني إلى قومي ووعدتني أن تنصرني في نجاح دعوتي ، وهلاك هؤلاء المصعوقين يجلب علي التهمة من قومي . قوله تعالى :
أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ
شروع منه عليه السّلام في الدعاء بعد ما قدمه من الثناء ، وبدأه بقوله :
« أَنْتَ وَلِيُّنا »
وختمه بقوله :
« وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ »
ليقع ما يسأله بين صفتي ولاية اللّه الخاصة به ، ومغفرته التي هي خير مغفرة ثم سأل حاجته بقوله :
« فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا »
لأنه خير حاجة يرتضي اللّه من عباده أن يسألوها عنه ، ولم يصرح بخصوص حاجته التي بعثته إلى الدعاء ، وهي إحياء السبعين الذين أهلكهم اللّه تذللا واستحياء . وحاجة هذه مندرجة في قوله :
« فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا »
لا محالة فإن اللّه سبحانه يذكر في آية سورة البقرة أنه بعثهم بعد موتهم ، ولم يكن ليحييهم بعد ما أهلكهم إلا بشفاعة موسى عليه السّلام ولم
مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 577 | إلياس الكلانتري / السيد محمدحسين الطباطبائي