الغاوين " ، وقال حكاية عن إبليس : " فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم
المخلصين " ، فاستثنى من عباده الغاوين مرة والمخلصين أخرى ، ولا بد أن يكون
أحد الفريقين أكثر من الآخر ، وقال الشاعر :
أدوا التي نقصت تسعين من مائة ثم ابعثوا حكما بالحق قوالا
فاستثنى التسعين من مائة ، لأنه أمر بأن يؤدي عشرة دراهم ، فعبر عنها بما قاله .
فإذا ثبت ذلك ، فالاستثناء إذا كان من جنسه كان حقيقة وإن كان من غير
جنسه كان مجازا ، ويكون بمعنى " لكن " ، غير أنه يجوز استعمال ذلك ، وفي
الناس من قال : هو مشترك حقيقة فيهما ، وفي الناس من قال : لا يجوز هذا
الاستثناء ، وقد تكلمنا على ذلك في أصول الفقه .
فإذا ثبت ذلك ، فإذا قال : له علي ألف إلا درهما ، فإذا حملناه على حقيقته
فقد أقر بتسعمائة وتسعة وتسعين درهما ، ومن قال : هو مشترك ، يقول له : فسر
الألف بما يبقى منه بعضه بعد استثناء الدرهم منه ، فإذا فسره بألف جوزة أو بيضة
أو باذنجان أو نبقة أو غير ذلك نظر : فإن بقي بعد استثناء الدرهم من قيمته شئ
صح ذلك ، وإن لم يبق شئ منه قالوا : فيه وجهان :
أحدهما : أن الاستثناء لا يبطل ، ويكلف تفسير الألف بما يبقى منه شئ بعد
استثناء الدرهم من قيمته ، لأن الاستثناء قد ثبت ، فلا يبطل بتفسيره الذي لا يقبل .
والثاني : أنه يبطل الاستثناء ، لأنه فسر الألف بما لا يصح استثناء الدرهم منه
لأنه لا يبقى منه شئ ، فيصير كأنه أقر بشئ واستثنى جميعه ، فيبطل الاستثناء ،
ويلزمه ما أقر به .
هذا إذا استثنى معلوما من ألف مجمل .
فأما إذا استثنى مجهولا من معلوم مثل أن يقول : له علي ألف درهم إلا ثوبا ،
فالثوب مجهول ، والألف معلومة ، فإذا كان كذلك كلف أن يبين قيمة الثوب ،
فإذا بينها بما يبقى بعد استثنائه من الألف المعلوم شئ وإن قل قبل ذلك منه ،
وإن بينها بألف تستغرق جميع المستثنى منه ، فيكون على الوجهين الذين
الينابيع الفقهية — صفحة 184
مساهمون: علي أصغر مرواريد
ص١٨٤