تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الينابيع الفقهية — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
الغاوين " ، وقال حكاية عن إبليس : " فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين " ، فاستثنى من عباده الغاوين مرة والمخلصين أخرى ، ولا بد أن يكون أحد الفريقين أكثر من الآخر ، وقال الشاعر : أدوا التي نقصت تسعين من مائة ثم ابعثوا حكما بالحق قوالا فاستثنى التسعين من مائة ، لأنه أمر بأن يؤدي عشرة دراهم ، فعبر عنها بما قاله . فإذا ثبت ذلك ، فالاستثناء إذا كان من جنسه كان حقيقة وإن كان من غير جنسه كان مجازا ، ويكون بمعنى " لكن " ، غير أنه يجوز استعمال ذلك ، وفي الناس من قال : هو مشترك حقيقة فيهما ، وفي الناس من قال : لا يجوز هذا الاستثناء ، وقد تكلمنا على ذلك في أصول الفقه . فإذا ثبت ذلك ، فإذا قال : له علي ألف إلا درهما ، فإذا حملناه على حقيقته فقد أقر بتسعمائة وتسعة وتسعين درهما ، ومن قال : هو مشترك ، يقول له : فسر الألف بما يبقى منه بعضه بعد استثناء الدرهم منه ، فإذا فسره بألف جوزة أو بيضة أو باذنجان أو نبقة أو غير ذلك نظر : فإن بقي بعد استثناء الدرهم من قيمته شئ صح ذلك ، وإن لم يبق شئ منه قالوا : فيه وجهان : أحدهما : أن الاستثناء لا يبطل ، ويكلف تفسير الألف بما يبقى منه شئ بعد استثناء الدرهم من قيمته ، لأن الاستثناء قد ثبت ، فلا يبطل بتفسيره الذي لا يقبل . والثاني : أنه يبطل الاستثناء ، لأنه فسر الألف بما لا يصح استثناء الدرهم منه لأنه لا يبقى منه شئ ، فيصير كأنه أقر بشئ واستثنى جميعه ، فيبطل الاستثناء ، ويلزمه ما أقر به . هذا إذا استثنى معلوما من ألف مجمل . فأما إذا استثنى مجهولا من معلوم مثل أن يقول : له علي ألف درهم إلا ثوبا ، فالثوب مجهول ، والألف معلومة ، فإذا كان كذلك كلف أن يبين قيمة الثوب ، فإذا بينها بما يبقى بعد استثنائه من الألف المعلوم شئ وإن قل قبل ذلك منه ، وإن بينها بألف تستغرق جميع المستثنى منه ، فيكون على الوجهين الذين