شرح
وأما الثالث : وما هو ما لو كانت الإجارة بلا اُجرة ، فلا ضمان على المستأجر فيما إذا استوفى المنفعة فضلاً عما لو فاتت تحت يده ، لأن المالك هنا ألغى احترام ماله بإجارته للاستيفاء بلا اُجرة أي مجاناً ، والسيرة العقلائية قائمة على ذلك ، كما هو الحال في الأعيان ، كما لو أمر شخصاً بالقاء ماله في البحر فألقاه
هامش
يكون في العقد مجعولاً مقابلاً له وبدلاً له ، من الأملاك كان أو من الأموال ، لا خصوص الأموال بتخصيص تبرعي ، ولذا من اتلف حبة حنطة أو حبات حنطة - التي لا مالية لها - من الغير من دون رضاه ضمنها بمثلها ، ولا يعقل أن يقال لا ضمان عليه لأنه لا مالية لها ، أو لا مانع من التصرف فيها وإن كانت ملكه ، بل لا شك في عدم جواز التصرف فيها ، وما ذلك إلاّ لاحترامها من جهة احترام ما للغير من مال أو ملك ، فمقتضى احترامها أنه لو أتلفها على المالك ضمنها مالاً كانت أم ملكاً .
ثم إنّ عدم الاقدام على المجانية التي فسّر القائل ( حفظه الله ) المجانية فيها بقوله : « والمجانية إنما تكون برفع اليد عن المالية ، وعدم شرط مال في قباله » ، فهو تفسير للمجانية بغير معناها ، فإنه وإن كان أكثر أفراد المجانية هو رفع اليد عن المالية وعدم شرط مال في قباله ، إلاّ أنّه ليس هو معنى المجانية أبداً ومطلقاً ، ولا أصل لذلك أيضاً ، وإنما معناها رفع اليد عما قابله من البدل فقط ، سواء كان ما قابله من البدل مالاً أم ملكاً أم حقاً .
ففي تاج العروس : والمُجَّانُ - كشَدِّاد - ما كان بلا بدل ج 18 : 525 مادة مجن .
وفي مجمع البحرين : وقولهم أخذُه مَجَّاناً - بالتشديد - أي بلا بدل مادة مجن .
وفي لسان العرب : وقولهم أخذه مَجّاناً أي بلا بدل ، وهو فَعّال لأنه ينصرف ، وفي لسان العرب أيضاً : « الليث : المُجّان عطية الشيء بلا منّة ولا ثمن » ، لا ولا مال ، والثمن أعم من المال ، وهو ما يجعل مقابل الشيء ، فقد يكون مالاً ، وقد يكون ملكاً لا مالاً ، كما في المقام .
وفي الصحاح : وقولهم أخذه مَجَّاناً ، أي بلا بدل ، وهو فَعَّالُ ، لأنه ينصرف . الصحاح 6 : 2200 طبعة دار العلم للملاين بيروت .
وعليه : فالمعطي والمؤجر لم يقدم على الإعطاء مجاناً ، لا أنه أقدم على الاعطاء مجاناً ، ولا أن الاعطاء مجاناً حاصل في المقام - كما يقوله القائل - فلا ضمان على المستأجر ، بل المعطي لمنفعة داره سنة بخنفساء أو بحبة حنطة أقدم على الإعطاء في مقابل بدل مملوك للمعطى له ، وهو معنى ما يضمن بصحيحه - حيث إن الضمان بصحيحه إنما هو بالبدل - يضمن بفاسده .