شرح
فلابدّ وأن يرجع في ذلك إلى العرف وإلى بناء العقلاء ، والظاهر أن عدم ذكر معنى المدعي والمنكر في الروايات إنما هو لأجل إحالة ذلك إلى العرف والعقلاء واعتماده عليه ، وكأنه واضح عندهم ، ولذا لم يذكر في الروايات . وعند العرف والعقلاء يكون الذي ملزماً عندهم باثبات ما يقوله والمطالب بدليله عندهم هو المدعي ، وطريق الاثبات هو ما ذكر في الروايات من البينات والإيمان ، فيطالَب المدعي عند العقلاء والعرف باثبات ما يدعيه بالبينة ويكون المنكر بخلافه ، أي الذي ينفي ما يدعيه الآخر عليه ولا يلزم بالاثبات ، بل يكفيه نفي الدعوى عليه .
ومطالبة العرف والعقلاء باثبات ما يدعي المدعي إنما يتحقق في موردين :
الأول : فيما لو ادعى أحد مالا أو حقا أو ما يشبههما كزوجية ، بأن يدعي على امرأة أنه زوجها ، أو
هامش
عدم القرض قاضية بأن دعوى القرض خلافها ، فمدعي القرض يخالف قوله الأصل ، ومنكر القرض يطابق قوله الأصل ، وكذا لو ادعى المقروض أنه أدى القرض أو أبرأه المقرض ، فإنه قوله مخالف لأصالة عدم الأداء وأصالة عدم الإبراء ، وقول منكر الأداء أو الإبراء موافق لهما ، فهنا أيضاً مدعي الأداء أو الإبراء قوله مخالف للأصل فهو المدعي ، ومنكر الأداء أو الإبراء قوله موافق للأصل فهو منكر . إلاّ أنه غير صحيح في جملة اُخرى من الموارد ، كما لو أنّ زيداً اقترض من عمرو مالاً ثمّ أدّاه ، ثمّ اقترض مالاً منه ثمّ أدّاه ، وهكذا ثلاث أو أربع مرات ، واختلفا في النوبة الأخيرة ، فقال أحدهما أن الأخير كان هو القرض وبعد لم يؤد فيجب الأداء ، وقال الآخر إن المرة الأخيرة كانت هي الوفاء ولم يقترض بعدها ، فهذا من توارد الحالتين الذي اختار فيه صاحب الكفاية عدم جريان الاستصحاب لعدم اتصال زمان اليقين بزمان الشك ، والذي كان مختار السيد الاُستاذ ( قدس سره ) فيه جريان الاستصحاب في كل منهما وتساقطه بالمعارضة ، فعدم الجريان لإجل المانع لا لعدم المقتضي . وكذا يتصور توارد الحالتين في دعوى الزوجية بأن تزوجها متعة ثمّ انتهت المدة ، ثمّ تزوجها ثانية متعة ثمّ انتهت المدة أو وهبها لها ، وهكذا أربع أو خمس مرات ، ثمّ وقع النزاع بينهما في النوبة الأخيرة أنها هل كانت هي الزوجية أو الإبراء ، فيدعي الزوج أنها التزويج وبعدُ لم يبرئ المدة ولم تنته ، فيطالبها ويلزمها بحق الاستمتاع ، وتدعي الزوجة أنها الإبراء وبعدُ لم يتحقق تزويج آخر فليس له عليها حق الاستمتاع ، فهنا أي منهما قوله يخالف الأصل ، وأي منهما قوله يوافق الأصل ، مع أنه لا شك في أن الزوج هو المدعي ، ولابدّ له من الاثبات . ومعنى هذا الكلام أن هذا التعريف - وهو أن المدعي من يخالف قوله الأصل والمنكر من يوافق قوله الأصل - لا يتم على الإطلاق ، فلذا لا يكون صحيحاً .