شرح
وما ذكره ( قدس سره ) مبني على أحد أمرين ، وكل منهما غير تام :
الأمر الأوّل : اعتبار المالية في العوض والمعوض في البيع أو الإجارة أو غيرهما بنحو تكون مبادلة بين المالين ، فإن كانت المعاملة واقعة على الأعيان كان بيعاً ، وإن كانت على المنافع كانت إجارة ، والمالية المعتبرة المذكورة إنما تتعقل فيما إذا كان فيها غرض عقلائي ، وإلاّ فلا يكون ذلك مالاً .
وهذا المعنى أي اعتبار المالية في العوضين لم يدل عليه أي دليل ، وقول صاحب المصباح : البيع مبادلة مال بمال تفسير لغوي اجمالي غير ناظر إلى جميع ما يعتبر في معنى البيع نفياً أو اثباتاً ، فلا يكون قوله حجة على اعتبار المالية في البيع ، ولذا لو أن شخصاً أراد أن يشتري شيئاً ولا مالية له عند العقلاء ، لكن لغرض في نفسه وإن لم يكن الغرض عقلائياً ، كما لو وجد خط أبيه عند أحد ، ولا يسوى هذا الخط في هذا الكتاب أو في هذه الورقة البالية شيئاً أبداً ، بعد فرض أنه غير مشتمل على شيء من الخط الحسن ولا المعنى ، إلاّ أن الولد يرغب في خط أبيه باعتبار أنه من آثاره ، فيشتريه بثمن ، ولا يشك أحد في صدق البيع في ذلك مع عدم صدق مبادلة مال بمال ، إذن فلا يعتبر في البيع المالية عند العقلاء ، ولا أن يكون ذلك مرغوباً عندهم بحيث يبذلون بإزائه مالاً .
ودعوى كون ذلك حينئذ أكلاً للمال بالباطل - أي لو لم تكن مالية - غير مسموعة ، لأن قوله تعالى : ( لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَ لَكُم بَيْنَكُم بِالْبَطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَرَةً عَن تَرَاض ) ناظر إلى الأسباب فقط ، أي أن سبب الملكية منحصر بالتجارة عن تراض ، فأكل المال بالقمار ونحوه الذي لم يمضه الشارع أكل للمال بالباطل ، وأما ما أمضاه - وهو التجارة عن تراض - فليس أكلاً للمال بالباطل ، فالآية المباركة أجنبية عن محل الكلام .
وعليه فلا دليل على اعتبار المالية في العوضين ، ويصح البيع أو الإجارة أو نحوهما حتّى لو كان أحد العوضين مما لا مالية له .
الأمر الثاني : أن الشيء إذا لم يكن يسوى شيئاً - أي لا مالية له عند العقلاء - فشراؤه بثمن وبذل المال بإزائه من المعاملة السفهية ، ولأجل أن المعاملة السفهية باطلة فيحكم بالبطلان .
وهذا أيضاً غير تام ، أوّلاً : لأن شراء الشيء الذي لا مالية له قد يكون سفهياً كما إذا لم يكن عند المشتري غرض شخصي يخرجه عنده عن السفهية ، وقد لا يكون سفيهاً كما لو كان عنده غرض شخصي يخرجه به عن السفهية جزماً - كما في مثال خط أبيه - بنحو لا يكون مذموماً عند العقلاء هذا الشراء ، حتّى لو