شرح
الأوّل : ما إذا كانت هناك قرينة خارجية - على ما ذكره الماتن في آخر كلامه - على أن الآمر أمر بالعمل مجاناً من دون أن يعطي شيئاً بإزاء هذا العمل ، ففي مثل ذلك لا شك لا يستحق العامل اُجرة حتّى وإن كان قاصداً بعمله الاُجرة ، لأن ما أتى به وهو العمل بقصد الاُجرة لم يكن مأموراً به ، وما هو المأمور به هو العمل المجاني ، فلا موجب للضمان ، كما لو صرّح الآمر بأن يخيط له ثوباً مجاناً ، فصدور العمل من الخياط بقصد أخذ الاُجرة كالعمل بغير أمر لا يوجب ضماناً كما تقدم .
الثاني : ما إذا لم تكن هناك قرينة على أن الآمر أمر بالعمل مجاناً ، وكان قد أمره بعمل له اُجرة في الخارج - لا كما إذا قال له : ناولني هذا الشيء - فلو عمل العامل ذلك العمل لا بقصد المجانية إما بقصد الاُجرة أو غافلاً عن ذلك ، فما لم يكن ملغياً لاحترام ماله ، المعروف والمشهور بل لا خلاف في ذلك ظاهراً هو ضمان الآمر اُجرة المثل للعامل .
واستدل عليه بقاعدة احترام مال المسلم ، وأن ماله كدمه لا يذهب هدراً .
وفيه : أن الاستدلال بذلك لاثبات الضمان غير تام ، لأن معنى الاحترام ليس هو إلاّ عدم جواز اجبار العامل على العمل ، وأن عمله ليس كالمباحات الأصلية لكل أحد أن يستولي عليه ويتملكه ، وأما إذا عمل العامل باختياره فاستحقاق العامل الاُجرة على الآمر وعدمه بعيد كل البعد عن الاحترام لماله ، فلا يمكن اثبات الضمان بذلك أصلاً .
والاُولى التمسك لاثبات الضمان بذلك بالسيرة العقلائية ، لأن العقلاء يحكمون بالضمان في موارد الأمر كما هو المشاهد كثيراً في مثل الحمالين والحلاقين وغيرهم ، فإن من يأمر الحمال بحمل شيء ، أو يأمر الحلاق بحلق رأسه ، بل على ما أذكر في الحجام ورد كراهة أن يشترط على المحجوم الاُجرة ( 1 ) @ بل يحجم إذا اُمر بالحجامة ، ثمّ بعد ذلك يُعطى اُجرة المثل .
وعليه فاُجرة المثل فيما لو أمر غيره بعمل ولا قرينة على المجانية ولم يقصد العامل التبرع مما جرت عليه السيرة العقلائية ، ولم يردع عنها شرعاً ، وذلك يقتضي ثبوت الضمان بذلك ، إلاّ إذا كانت هناك قرينة
هامش
( 1 ) كما في صحيحة زرارة قال : « سألت أبا جعفر ( عليه السلام ) عن كسب الحجام ؟ فقال : مكروه له أن يشارط ، ولا بأس عليك أن تشارطه وتماكسه ، وإنّما يكره له ولا بأس عليك » الوسائل ج 17 : 106 باب 9 من أبواب ما يكتسب به ح 9 .