شرح
البحث والكلام ، فإن محل الكلام إنما هو فيما لو لم يثبت كون صدور العمل في الخارج مجانياً ، إما لنص خاص أو لشيء آخر منه يعلم أن مذاق الشارع جار على مجانية ذلك ، كما هو الحال في الأذان ، وكذا ما يرجع إلى الميت من تغسيله وتكفينه ودفنه ، فإنه من المعلوم من الخارج ومن بعض الروايات أن ذلك من حقوق المؤمن على المؤمن فلابدّ وأن يكون مجانياً ، فلا يجوز أخذ الاُجرة عليه ، فما علم من الخارج إلغاء الشارع لماليته سواء أكان واجباً كدفن الميت أم لم يكن واجباً كالأذان فهذا خارج عن محل الكلام .
كما أن محل الكلام أيضاً إنما هو فيما إذا كان للعمل منفعة راجعة إلى المستأجر حتّى يصح الإجارة عليه ، وتكون عقلائية فيجب الوفاء بها ، وإلاّ فلا تكون الإجارة صحيحة من هذه الجهة لا من جهات هذا البحث ، أي لا من جهة الإجارة على العبادية والوجوب ، فلو لم يكن نفع راجع إلى المستأجر فمن اللغو اعتبار ملكية للمستأجر لما لا نفع راجع إليه ، سواء أكان واجباً عبادياً أم لا ، كما لو استأجره لينام أو يأكل ، فإنه لا يعتبر العقلاء هذا ملكاً للمستأجر لعدم استفادته من العمل بوجه ، فالإجارة باطلة في نفسها ، فهذا أيضاً خارج عن محل الكلام الذي هو الصحة وعدم الصحة من جهة العبادية والوجوب ، وفرض الإجارة صحيحة من باقي الجهات التي منها معقولية الإجارة .
إذن فمحل الكلام ما لو لم يثبت كون صدور العمل مجانياً ، وما لو استفاد المستأجر من العمل الذي هو واجب على الأجير بنفسه لتعقل فيه الإجارة .
وكما قلنا إن الكلام في مقامين :
الأوّل : أخذ الاُجرة على الواجب من جهة وجوبه .
الثاني : أخذ الاُجرة على الواجب من جهة عباديته .
أما الكلام في المقام الأوّل وهو أخذ الاُجرة على الواجب من جهة وجوبه - مع غض النظر عن عباديته - فهل إن جهة وجوبه تكون مانعة من جواز الإجارة عليه وصحتها أو لا ؟
ادعى المحقق الثاني الاجماع على عدم الجواز ( 1 ) @ ، ولذا أشكل على فخر المحققين ( 2 ) @ الذاهب إلى
هامش
( 1 ) قال : « وهو صريح كلام الأصحاب » جامع المقاصد 7 : 182 .
( 2 ) قال المحقق الكركي : « وذهب الشارح الفاضل ] أي : فخر المحققين [ إلى أن الوجوب إن كان عينياً امتنع
أخذ الاُجرة على الواجب تعليماً كان أو غيره ، وإن كان كفائياً واُريد الفعل على وجه القربة لم يجز أخذ الاُجرة على ذلك الفعل كصلاة الجنازة ، وإن كان كفائياً ولم يرد على وجه القربة جاز أخذ الاُجرة عليه ، إلاّ ما نص الشارع على تحريمه كاُجرة الدفن . وفيه نظر ، فإن الوجوب مطلقاً مانع من أخذ الاُجرة كما سبق في كتاب البيع ، وهو صريح كلام الأصحاب » جامع المقاصد 7 : 181 - 182 .