شرح
وكذا القدرة ، فالأوّل مقدور له ، له أن يفعله وله أن يتركه ، والثاني أيضاً مقدور له ، له أن يفعله وله أن يتركه ، نعم الجمع بين هذه الاُمور غير ممكن ، فالإباحة تتعلق بكل فعل في نفسه مستقلاً لا على البدل ، والقدرة تتعلق بكل فعل في نفسه مستقلاً ، لا بفعل واحد على البدل إما هذا مقدور أو ذلك مقدور ، فإنه ليس الأمر كذلك . بل كل واحد واحد منها مستقلاً مقدور له أن يفعله وله أن يتركه .
وكذا الحال في الاستحباب فإنه تستحب زيارة الإمام الحسين ( عليه السلام ) وتستحب زيارة مسلم بن عقيل ( عليه السلام ) وتستحب زيارة الإمامين الكاظمين ( عليهما السلام ) ، ولا يمكن الجمع بينها في الخارج في زمان واحد ، إلاّ أن عدم إمكان الجمع بينها في الخارج في زمان واحد لا يوجب عدم كونها مستحبة في عرض واحد ، ولا يوجب سقوط الاستحباب لكل واحد منها لتصل النوبة إلى الاستحباب البدلي أو على البدل ، بل الاستحباب ثابت لجميعها ولكل واحد واحد منها وإن كان استحباب بعضها أكثر من بعض ، فلا تضاد بين الاستحباب .
وكذا لا تضاد بين ملكية المنافع المتضادة ، لأن الذي يجري في الحكم التكليفي الذي هو الاستحباب والإباحة يجري في الحكم الوضعي الذي هو الملكية ، فإن اعتبار الملكية كاعتبار الإباحة واعتبار الاستحباب لا مانع من الجمع بينها ، فلا مانع من أن يجمع بين الملكيتين لأن كلاً منهما شأن من شؤون العين ، وما هو من شأن العين مملوك للمالك ، فهو مالك للمنافع كل منها في عرض اُخرى ، لا لمنفعة واحدة على البدل ، وعلى ذلك يترتب ما ذكره الماتن من أن المستأجر إذا استأجر دابة للذهاب من بغداد إلى الموصل فركبها من بغداد إلى البصرة ضمن اُجرتين المسماة والمثل .
ولا يرد على ذلك أنه لو غصب الغاصب العين وأبقاها عنده لزم عليه أن يضمن للمالك جميع المنافع التي يمكن أن تستوفى منها ، بدعوى أنه أتلف عليه جميع منافع العبد ، وهي ما تسوى أربعة وثلاثين ديناراً كما في المثال المتقدم ، ولا يمكن الالتزام بذلك ، فيكشف ذلك عن أنه لم يكن المالك مالكاً لجميع منافع العبد ، وإلاّ لضمن الغاصب جميع تلك المنافع ، وربما تكون قيمتها أكثر من قيمة العبد ، كما لو كان العبد يعرف عشرة صنائع التي مجموع قيمتها - أي مجموع قيم كل واحدة منها مستقلاً مع ضم بعضها إلى بعض - مائة وخمسون ديناراً وقيمة العبد مائة دينار ، ولم يقل بذلك أحد .
فإن هذا الإشكال غير وارد ، وذلك لأن المعتبر في الضمان أن يكون الشخص الغاصب متلفا للمال ،