شرح
قرابة فقراء في بلد آخر يريد الايصال إليهم ، فليس في الايصال إليهم أي تهاون أو تسامح ، ولا دليل على فورية الايصال في مثل ذلك ، ولو كانت الفورية معتبرة لما جاز نقل الزكاة من محلة إلى اُخرى في نفس البلد في مثل البلدان الكبيرة كبغداد والبصرة ( 1 ) فإن الفصل بين محلة واُخرى كثير ، وربما يكون أكثر من النقل من بلد إلى آخر ، ولم يلتزم بذلك أحد من فقهائنا . وأما الصغرى وهي منافاة النقل للفورية فممنوعة أيضاً ، إذ قد يكون النقل من بلد إلى آخر أقل زماناً من الايصال إلى المستحق في البلد ، كما لو كان له واسطة لنقل الخمس ، يمكنه بها أن يوصله من بلد إلى آخر بأقل زمان من الايصال إلى المستحق في البلد ، وعدم إمكان النقل بالواسطة في البلد لقطع الطريق فيه بازدحام أو غيره ، أو كان المستحق مسافراً أو نحو ذلك ، وعليه فجواز النقل من بلد إلى آخر ما لم يعد متهاوناً على القاعدة ، والمالك هو طبيعي الفقير لا شخص فقراء البلد ( 2 ) .
وأما الكلام في ذلك بالنسبة إلى الحكم الوضعي ، وهو الضمان لو تلف الحق بالنقل إلى البلد الآخر مع كون المستحق موجوداً في البلد ، فالظاهر هنا ثبوته ، لما تقدم من صحيحة محمّد بن مسلم المتقدمة حيث قال ( عليه السلام ) فيها : « وكذلك الوصي الذي يوصى إليه يكون ضامناً لما دُفع إليه إذا وجد ربّه الذي أُمر بدفعه إليه ، فإن لم يجد فليس عليه ضمّان » فإن الصحيحة وإن كانت واردة في الزكاة ، إلاّ أن من إلحاق الايصاء بباب الزكاة يستفاد عدم اختصاص الحكم بالضمان بباب الزكاة ، بل هو ثابت لكل حق مالي يجب إيصاله إلى مستحقه خمساً كان أو زكاة أو مالاً موصى به أو نحو ذلك .
وعليه فلو تلف الخمس بالنقل مع وجود المصرف في البلد فعليه الضمان ، بل حتّى لو أخر ولم يدفعه إلى المستحق في البلد ولو من دون نقل حتّى تلف فعليه الضمان ( 3 ) .
هامش
( 1 ) ليس المراد من البلاد الكبيرة هي التي يقصر فيها الصلاة بالانتقال من محلة إلى اُخرى إذا كانت فيها المسافة الشرعية الموجبة للقصر حتّى يقال : لا يصح التمثيل ببغداد والبصرة حيث إنهما ليسا من البلاد الكبيرة ، ولابدّ من التمثيل بالكوفة والبصرة في الزمان السابق ، حيث كان العراق ليس إلاّ الكوفة والبصرة ، وبمثل بلدة تورنتو حيث إن الانتقال فيها من محله إلى محلة اُخرى يُرى عند العرف فيها أنه مسافر ، بل المراد أن الانتقال من محلة في بغداد أو البصرة إلى محلة اُخرى يستغرق بعض الأحيان أكثر من الانتقال من بلدة إلى اُخرى .
( 2 ) أقول : أليس النقل تصرفاً في المال المشترك ؟ ! وأليس هو من دون إذن الشريك ؟ ! وأليس لا ولاية للمالك عليه ، إذ إنها كما تقدم غير ثابتة إن لم يكن الثابت عدمها ؟ ! فبأي دليل يجوز النقل لو لم يأذن ولي الشريك ، ولا نحتاج إلى دليل على عدم الجواز ، بل الجواز يحتاج إلى دليل ، ولم يذكر أي دليل عليه .
( 3 ) هذا صحيح على مبنى السيد الاُستاذ وعلى مبنى الماتن فيما إذا كان التالف تمام المال الذي تعلق به الخمس