إلاّ أنّ الحقّ أنّه ( صلى الله عليه وآله ) إنّما أثبت العشور على اليهود والنصارى وليس في واحدة من هذه الروايات العامّية لفظة « العشّار » أو « العاشر » ليقال بمعارضتها لتلك الأخبار الماضية ، فلعلّ العشور المذكورة كانت خراجاً أو جزيةً جعلت على رؤوس أهل الذمّة من اليهود والنصارى ، فليس في هذه الروايات حجّة على خلاف تلك الأخبار الكثيرة .
ويؤيّد ما ذكرنا ما رواه أبو داود في سننه بعد نقله للرواية الاُولى الّتي نقلناها عنه فقال : حدّثنا محمّد بن عبيد المحاربي حدّثنا وكيع عن سفيان عن عطاء بن السائب عن حرب بن عبيد الله عن النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) بمعناه ، قال : « خراج » مكان « العشور » ( 1 ) ورواه البيهقي أيضاً بسندين أحدهما عن أبي داود مثله ( 2 ) .
فإذا قال : « إنّما الخراج على اليهود والنصارى وليس على المسلمين خراج » وهو بمعنى العبارة الاُخرى فلا محالة يكون قرينة على أنّ العشور المذكورة كانت مقدار الخراج المجعول على اليهود والنصارى لا ما يأخذه العشّارون .
فالحاصل : أنّ الأخبار الماضية المنقولة من طرقنا لا معارض لها حتّى في أخبار العامّة .
إلاّ أنّه بعد ذلك كلّه فالحقّ أنّه ليست هذه الأخبار الكثيرة أيضاً مخالفة لما قدّمناه من اقتضاء ولاية وليّ الأمر أن يجوز له وضع الضرائب وذلك أنّ القسم الأوّل منها كان ناظراً إلى ما يأخذه العشّارون في حكومة غير أهل الإسلام ، وواضحٌ أنّ جميع تصرّفاتهم المتفرّعة على ولاية الناس غير مشروعة وأخذهم لهذه الضرائب أيضاً ظلمٌ منهم على اُممهم وهو حرام قطعاً ، كما أنّ القسم الثاني منها بطائفتيه ناظرٌ إلى ما يفعله هؤلاء خلفاء الجور وأخذهم للضرائب والزكوات من المحرّمات فليس واحدة من تلك الروايات واردة في الضريبة الّتي يضعها وليّ أمر المسلمين الوليّ الّذي جعله الله تعالى عليهم وليّاً ويكون وضعها على مبنى رعاية المصالح الّتي يكون لحاظها ورعايتها من وظائف واختيارات وليّ أمر الاُمّة الإسلامية .
هامش
( 1 ) سنن أبي داود : ج 3 ، ص 169 .
( 2 ) السنن الكبرى : ج 9 ص 199 .