التاسع ممّن يمكن القول باستثنائه أصحاب الصوامع والرهبان ، تعرّض لهم الشيخ في الخلاف وأفتى بوجوب أخذ الجزية منهم إلاّ أنّه قال : « وفي أصحابنا مَن قال : لا تؤخذ منهم الجزية » وذكر أيضاً أنّ الأخذ منهم أحد قولي الشافعي وتعرّض لهم أيضاً المبسوط والشرائع والقواعد والتذكرة وأفتوا بوجوب الجزية عليهم ، وهو مقتضى إطلاق أو عموم كلام الآخرين ممّن مرّت كلماتهم ، ولم نجد مَن استثناهم إلاّ ما نقله الشيخ في الخلاف .
ولا ينبغي الريب في أنّ مقتضى عموم أو إطلاق أدلّة ايجاب الجزية على أهل الكتاب من الآية والروايات وجوبها عليهم ، وبه استدلّ الأصحاب فيما رأيناه . إلاّ أنّه قد ورد فيما رواه مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) أنّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) كان بعث سريةً أوصى أصحابها اُموراً وذكر فيها قوله ( صلى الله عليه وآله ) : « ولا تقتلوا وليداً ولا متبتّلا في شاهق » ( 1 ) فقد نهى عن قتل كلّ متبتّل في شاهق ، والتبتّل - على ما في التبيان ومجمع البيان - هو الانقطاع ، والتبتّل إلى الله تعالى هو الانقطاع إلى عبادة الله عزّ وجلّ وإخلاص العبادة له ، وعليه فالمتبتّل هو المنقطع عن الناس إلى الله تعالى ، والشاهق اسم فاعل من شهق يشهق - بفتحتين شهوقاً ، وفسّره في المصباح المنير بقوله : « ارتفع ، فهو شاهق ، وجبال شاهقة وشاهقات وشواهق » .
فالحاصل : أنّ المتبتّل في شاهق هو مَن انقطع عن الناس إلى عبادة الله وسكن في مثل الجبال الشاهقة البعيدة عن الناس ، وهو صادق على بعض أصحاب الصوامع والرهبان ، فالرواية دالّة بظهور النهي على حرمة قتل هؤلاء في الحرب ، ولا يبعد دعوى إلغاء الخصوصية عنهم إلى كلّ مَن قطع ارتباطه عن الناس وانقطع إلى عبادة الله عزّ وجلّ من أهل الكتاب .
فإذا حرم قتلهم بموجب هذه الرواية فانضمام هذه الرواية إلى معتبر حفص ابن غياث يقتضي أن لا تجب الجزية عليهم كما مرّ بيانه .
إلاّ أنّ مسعدة بن صدقة لم يوثّق ولم يعمل مشهور الأصحاب على ما رأيناه
هامش
( 1 ) الوسائل : الباب 15 من أبواب جهاد العدوّ ج 11 ص 43 الحديث 3 .