والأموال على ضربين : ظاهرة وباطنة . فالباطنة الدنانير والدراهم وأموال التجارات ، فالمالك بالخيار في هذه الأشياء بين أن يدفعها إلى الإمام أو مَن ينوب عنه وبين أن يفرّقها بنفسه على مستحقّيه بلا خلاف في ذلك . وأمّا زكاة الأموال الظاهرة مثل المواشي والغلاّت فالأفضل حملها إلى الإمام إذا لم يطلبها ، وإن تولّى تفرّقها بنفسه فقد أجزأ عنه ، ومتى طلبها الإمام وجب دفعها إليه وإن فرّقها بنفسه مع مطالبته لم يجزه . . . وعلى الإمام أن يبعث الساعي كلّ عام إلى أرباب الأموال لجباية الصدقات ولا يجوز له تركه لأنّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) كان يبعث بهم كلّ عام ، فإذا أنفذ دفع إليه أخذه ومَن لم يدفع وذكر أنّه قد أخرج الزكاة صدّقه على ذلك ، على ما بيّنّا ( 1 ) .
وهو كما ترى لم يوجب الدفع ابتداءاً إلى الإمام أو نائبه وإنّما أفتى باستحبابه في خصوص زكاة الأموال الظاهرة ، وقوله ( قدس سره ) : « بلا خلاف في ذلك » أراد به نفي الخلاف فيه من العامّة فليس دعوى انعقاد إجماع الأصحاب على الاستحباب . نعم قد جعل دفعها إلى الإمام إذا طلبها واجباً بل أفتى أنّ إخراجها حينئذ بنفسه غير مجز .
ومع ذلك كلّه فقد جعل من وظائف الإمام أن يبعث الساعي كلّ عام إلى أرباب الأموال لجباية الصدقات ، وواضحٌ أنّه ينتهي إلى أنّ الإمام يطلب كلّ عام أن يدفع الزكاة إليه فيكون دفعها إليه واجباً لأنّه قد طلبها ببعث السعاة لأخذها .
ب : وقال في كتاب الزكاة من الخلاف : يجوز أن يتولّى الإنسان إخراج زكاته بنفسه عن أمواله الظاهرة والباطنة ، والأفضل في الظاهرة أن يعطيها الإمام ، فإن فرّقها بنفسه أجزأه . وقال الشافعي : يجوز أن يخرج زكاة الأموال الباطنة بنفسه قولا واحداً ، والأموال الظاهرة على قولين ، قال في الجديد : يجوز أيضاً ، وقال في القديم : لا يجوز ، وبه قال مالك وأبو حنيفة . دليلنا : كلّ آية تضمّنت الأمر بإيتاء الزكاة ، مثل قوله تعالى : ( وَأَقِيمُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوةَ ) ( 2 ) وقوله : ( ويُؤْتُونَ الزَّكَوةَ ) ( 3 ) وما أشبه ذلك يتناول ذلك ، لأنّها عامّة ولا يجوز تخصيصها إلاّ بدليل .
هامش
( 1 ) المبسوط : ج 1 ص 233 .
( 2 ) البقرة : 110 .
( 3 ) المائدة : 55 .