تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 85

مساهمون:

ص٨٥
المنار : ان المراد من قوله تعالى ( لا يَعْقِلُونَ ) انهم لا يدركون حقيقة الإسلام ، ولو أدركوا حقيقته لم يتخذوه هزوا . أما نحن فنرى انهم قد عقلوا الإسلام ، وأدركوا أهدافه ، وأن الذين حاربوه إنما حاربوه لأنهم أدركوا خطره على منافعهم وامتيازاتهم . . فلقد أدركوا ان الإسلام ثورة على الظلم والاستغلال ، وعلى الفقر والتخلف ، وعلى تقسيم الناس إلى سيد ومسود ، وانه لا فضل لمخلوق على غيره إلا بخدمة الناس ، والعمل لصالحهم ومنافعهم . . هذا هو ذنب الإسلام عندهم ، ومن أجله حاربوه بجميع ما يملكون من وسائل ، حتى الهزء والسخرية . وتتجلى دعوة الإسلام هذه بأكمل معانيها في نداء المؤذن : اللَّه أكبر . . لا إله إلا اللَّه . . فإن معنى اللَّه أكبر انه لا كبير ولا عظيم إلا هو وحده لا شريك له ، ومعنى لا إله إلا اللَّه : ان المال والجاه والأنساب ليست آلهة تعبد ، ولا قوة يخضع لها ، وإنما الخضوع للحق وحده ، والناس فيه سواء ، وان ما من أحد على وجه الأرض له أن يمس حرية إنسان كائنا من كان . . وكفى بهذا ذنبا للإسلام عند ألد أعداء الإنسان ، ومن أجل عداوتهم هذه ، لا من أجل جهلهم بحقيقة الإسلام وصفهم العليم الحكيم بأنهم قوم لا يعقلون . ( قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إِلَيْنا وما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ ) . أجل ، انهم لا يرضون إلا عمن يؤمن بهم وبامتيازهم واستغلالهم . . ان هذا في مقاييسهم قدس الأقداس ، وان كفر باللَّه ، وجميع الأنبياء والمرسلين . . أما من يكفر بظلمهم وطغيانهم فإنه عندهم شر الأولين والآخرين ، وان كان ولي الأولياء . . ولا شيء أصدق في الدلالة على ذلك من أنهم يتهمون الوطنيين الأحرار منهم ، ويرمونهم بالمروق من الدين ، لا لشيء إلا لأنهم يستنكرون السياسة الاستعمارية ، والتفرقة العنصرية . . ومع هذه التهمة الظالمة يزعمون أنهم حماة الدين ، وحراسه من الإلحاد والملحدين . وتسأل : ان قولك هذا هو الواقع الذي نراه ونشاهده ، ولكنه لا يصلح تفسيرا للآية ، لأن الظاهر منها انهم يعادون المسلمين لأنهم مسلمون يؤمنون باللَّه والقرآن والتوراة والإنجيل ؟ .