تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 487

مساهمون:

ص٤٨٧
حجة قاطعة على من يكفر ، وحجة ظاهرة لمن يؤمن . وتسأل : إن ظاهر الآية يدل على أن من صارع الحق يصرع ويغلب ، مع أن المبطل كثيرا ما يتغلب على المحق ، كما نشاهد ونرى ؟ . الجواب : ان اللَّه سبحانه قد وعد المسلمين بالنصر على لسان نبيه - قبل المعركة - مع قلتهم وضعفهم عدة وعددا ، وذلك حيث يقول في الآية 7 : « وإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ » وقد وفى لهم بالوعد ، وتحققت المعجزة بذلك لمحمد ( ص ) الذي أخبرهم بالنصر حين كانت جميع الدلائل تشير إلى العكس . . هذا ، إلى جانب إمدادهم بالملائكة كما في الآية 9 ، وإلى رمية النبي ( ص ) المشركين بقبضة من التراب أو الحصى كما في الآية 17 ، كل هذه وغيرها كانت معجزات باهرات ظهرت على يد محمد يوم بدر ، وهي المراد بالبينة والحجة على من كفر ، والحجة لمن آمن ، وليس المراد مجرد النصر . . وبكلمة ان المقصود بالبينة في الآية الإخبار بالنصر قبل وقوعه مع ما تم من المقدمات وخوارق العادات ، وليس المراد النصر بالذات ( وأَنَّ اللَّهً سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) لا يخفى عليه شيء من الأقوال والأفعال وما يختلج في الصدور . ( إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا ولَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ ولَتَنازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ » ) . هذه معجزة أخرى لرسول اللَّه ( ص ) ، وهي ان اللَّه سبحانه أراه في المنام ان المشركين أقلاء عددا ضعفاء عدة ، وأخبر النبي الصحابة بما رأى ، فاستبشروا وتشجعوا ، ولو أراه اللَّه الأعداء أقوياء لوهنت عزيمة المسلمين ، وضعفوا عن القتال ، واختلفوا فيه ، ولأعقب ذلك الفشل وذهاب الريح ( ولكِنَّ اللَّهً سَلَّمَ ) من هذه المشكلة ، ولطف بعباده المؤمنين ( إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ) . أي ان اللَّه يعلم أن قلوب المسلمين تشعر بالخوف من القتال إذا أيقنت بكثرة العدو ، فأبعد اللَّه هذا الشعور عن قلوبهم بما أراه للرسول الأعظم في منامه من قلة العدو وضعفه . « وإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا » ليشد من عزمكم أيها المسلمون ، وتقاتلوا أعداءكم بجرأة وثبات « ويُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ » كي لا يبالغوا في الاستعداد لقتالكم والحذر منكم . . وهكذا كان ، حتى قال أبو جهل : إنما أصحاب
التفسير الكاشف — صفحة 487 | محمد جواد مغنية