تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 486

مساهمون:

ص٤٨٦
المشركين في وقعة بدر ، من تلك الأسباب ان اللَّه سبحانه ألهم المسلمين أن يرابطوا في أقرب الجانبين من الوادي إلى المدينة ، أما المشركون فقد نزلوا في الجانب الأبعد منه ، وبين الجانبين ربوة تفصل بينهما ، ويظهر من سياق الكلام ان الجانب الذي رابط فيه المسلمون كان موقعا حربيا يعينهم على أعدائهم ، لأن اللَّه سبحانه قد منّ عليهم به ، وكان من تدبيره تعالى أن ينزل كل في موقعه ، دون أن يعلم بموقع الآخر ، إذ لو رأى المسلمون أعداءهم رأي العين لهابوهم ، ويئسوا من الظفر بهم ، وأيضا من تدبيره انه - جلت حكمته - قلل المشركين عند اللقاء في أعين المسلمين ، كل ذلك ليظهر دينه على الدين كله ولو كره المشركون ، ومن الحكمة أيضا أن تسلم العير التي مال بها أبو سفيان إلى ساحل البحر ليتم اللقاء بين جند الحق وجند الباطل ، ولا ينصرف المسلمون إلى العير عن النفير . . وبعد هذا التمهيد نشرع بتفسير الآيات : ( إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى ) . الخطاب موجه من اللَّه للمسلمين يذكّرهم به بالموقع الذي رابطوا فيه ، وهو جانب الوادي الأقرب إلى المدينة ، وبالموقع الذي اتخذه المشركون ، وهو الجانب الأبعد ، ويذكّر أيضا بانحراف العير إلى ساحل البحر الذي أشار إليه بقوله : ( والرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ ) . والغرض من هذا التذكير ان هذه الأشياء كانت لصالحهم ، كما تبين فيما بعد . ( ولَوْ تَواعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ ) . خرج المسلمون مع النبي ( ص ) من المدينة طلبا للعير وأحمالها غير قاصدين القتال ، كما قدمنا ، ولكن اللَّه سبحانه حوّل هذه الرحلة من طلب المال إلى الجهاد في سبيله ، وكان في ذلك خير كثير ، ولو خرج المسلمون منذ البداية إلى القتال متواعدين عليه مع المشركين ، ثم علموا بكثرتهم ، لو كان ذلك لعدل بعض المسلمين عن القتال خوفا ورهبة ، واختلفوا مع الذين يريدون القتال ، ولما تمّ شيء من نصر أولياء اللَّه على أعدائه . ( ولكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا ) . أي ولكن اللَّه دبر هذا اللقاء على غير ميعاد ليقع ما أراد من إعزاز الدين ، وإذلال المشركين ( لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ) المراد بمن هلك من كفر ، وبمن حي من آمن ، والمعنى ان اللَّه نصر أولياءه ، وقهر أعداءه يوم بدر ليكون ذلك