تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
انعكاس عن ذاته وواقعه ، حتى كأن الجميع شيء واحد عند اللَّه والناس ، أما الغامض المبهم الذي يعرف الخالق منه ما لا يعرفه المخلوق من الرياء والنفاق ، أما هذا فسوف يبدو له جزاء ريائه ونفاقه ، وتذهب نفسه حسرات على إساءته ، ويتمنى الخلاص بالرد إلى الدنيا ، ولكن هيهات . « ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ » في قولهم : يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين . . ولقد قرأنا عن عشرات المجرمين انهم تابوا وهم في غياهب السجن ، حتى إذا خرجوا عادوا إلى اجرامهم . وآثامهم ، وإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وكانَ الإِنْسانُ كَفُوراً - 66 الإسراء . « وقالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ » . أي لو ردوا إلى حياتهم الأولى لقالوا ما قالوه من قبل : لا بعث ولا حساب ولا جزاء . وتسأل : كيف ينكرون ، وقد شاهدوا الهول الأكبر ، وعرضوا عليه ، وتوسلوا للخلاص منه ، وقطعوا عهدا على أنفسهم ان لا يعودوا إلى ما كانوا عليه . الجواب : انهم يعرفون جيدا ان الحساب والعذاب واقع لا محالة ، ولكنهم يعرفون أيضا أنهم لو أعلنوا الحق وخضعوا له لفاتتهم المغانم والمكاسب ، قال تعالى : وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وعُلُوًّا - 14 النمل . « ولَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ » بعد أن كذبوا بلقائه « قالَ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ » ؟ . قلنا في تفسير الآية الرابعة من هذه السورة : ان اللَّه يدعو إلى الايمان بالحق ، مع إقامة الدليل عليه ، فإن جحده جاحد لزمته الحجة ، وهذه الآية تؤكد ذلك ، وتذكر بالدلائل والبينات التي أنكروها وكذبوا بها « قالُوا بَلى ورَبِّنا » . الآن ، وقد فات ما فات ، ولم يبق إلا الجزاء العادل ، والعذاب لمن كفر وأنكر « قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ » . هذا جزاء كل من آثر العاجلة على الآجلة ، وكتم الحق لهوى في نفسه . وتسأل : ان قوله تعالى للكافرين : أليس هذا بالحق ، وقوله : ذوقوا العذاب لا يتفق مع الآية 174 من سورة البقرة : ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ ؟ . الجواب : المراد ان اللَّه لا يكلمهم بما يسرهم ، بل بما يسوءهم ، كما في
التفسير الكاشف — صفحة 179 | محمد جواد مغنية