تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦
المعنى : « ومِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وفِي آذانِهِمْ وَقْراً » . خاطب اللَّه نبيه بهذه الآية بعد ما أمره أن يقول للمعاندين ما تقوم به الحجة عليهم ، وبعد أن تحدث عن أحوالهم يوم القيامة ، والمعنى ان فريقا من هؤلاء الجاحدين يستمعون إلى النبي ، وهو يتلو القرآن ، ولكنهم لا ينتفعون به ولا بغيره من الدلائل والبينات ، لأنهم صمموا منذ البداية على العناد والمكابرة ، حتى أعمى هذا التصميم عقولهم عن رؤية الحق ، وأصم آذانهم عن سماعه . وتسأل : ان الآية بظاهرها ان اللَّه هو الذي أعمى قلوبهم ، وأصم آذانهم ، وعليه فلا يستحقون ذما ولا عقابا ، لأنهم مسيرون غير مخيرين ؟ . الجواب : بما ان قلوب المعاندين لم تفقه القرآن ، وتنتفع به ، وآذانهم لم تستمع إليه سماع فهم وتدبر صح القول مجازا : ان على قلوبهم أغلفة ، وفي آذانهم صمم ، وبما ان اللَّه سبحانه هو الذي خلق القلوب والآذان صحت نسبة الصمم والأغلفة إليه مجازا أيضا ، أما بحسب الأمر والواقع فالمشركون هم المسؤولون ، لأنهم عاندوا الحق عن تصميم وإرادة . . وتقدم الكلام عن ذلك عند تفسير الآية 7 من سورة البقرة ج 1 ص 53 . وتجدر الإشارة إلى أن هذه الآية تدل بوضوح على أن الإسلام لا يقيس الشيء بما هو في ذاته ، بل بما هو في نتائجه وآثاره ، فالسمع والبصر منفذان للعقل ، والعقل مخطط للعمل ، فإذا لم يتحقق العمل يكون وجود الحواس وعدمها سواء ظاهرة كانت أو غير ظاهرة . وبكلمة ليس في الإسلام داخلي وخارجي ، ولا براني وجوّاني ، فالكل وسيلة إلى منفعة الناس في تدبير معاشهم ، وحل مشاكلهم . قال الإمام علي ( ع ) : يدعي بزعمه انه يرجو اللَّه ، كذب والعظيم ، ما باله لا يتبين رجاؤه في عمله ، فكل من رجا عرف رجاؤه في عمله . « وإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها » . كشف محمد ( ص ) عن حقيقة المزيفين من أصحاب الجاه والمال ، فاضطربوا وأحسوا بالخطر على مصالحهم ، فلجئوا إلى الأكذوبة الكبرى ، وقالوا عن آيات اللَّه : أساطير الأولين ، وهم على يقين ان هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ، ولكنهم كانوا يلتمسون أوجه الشبهات والمغالطات ،
التفسير الكاشف — صفحة 176 | محمد جواد مغنية