وجاز دخول الفاء الزائدة في الخبر . لأن المبتدأ أشبه الشرط في كونه موصولا عاما صلته فعل مستقبل .
وعبر - سبحانه - عن ارتكاب فاحشة الزنا بقوله : * ( يَأْتِينَ ) * لمزيد التقبيح والتشنيع على فاعلها : لأن مرتكبها كأنه ذهب إليها عن قصد حتى وصل إليها وباشرها .
واشترط - سبحانه - شهادة أربعة من الرجال المسلمين الأحرار لأن الرمي بالزنا من أفحش ما ترمى به المرأة والرجل ، فكان من رحمة اللَّه وعدله أن شدد في إثبات هذه الفاحشة أبلغ ما يكون التشديد ، فقرر عدم ثبوت هذه الجريمة إلا بشهادة أربعة من الرجال بحيث لا تقبل في ذلك شهادة النساء .
قال : الزهري : مضت السنة من لدن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم والخليفتين من بعده أن لا تقبل شهادة النساء في الحدود .
وقرر أن تكون الشهادة بالمعاينة لا بالسماع ، ولذا قال * ( فَإِنْ شَهِدُوا ) * أي إن ذكروا أنهم عاينوا ارتكاب هذه الجريمة من مرتكبيها . وشهدوا على ما عاينوه وأبصروه * ( فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ ) * .
وحتى في قوله . * ( حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ ) * بمعنى إلى . والفعل بعدها منصوب بإضمار أن .
وهي متعلقة بقوله * ( فَأَمْسِكُوهُنَّ ) * غاية له .
والمراد بالتوفي أصل معناه أي الاستيفاء وهو القبض تقول : توفيت مالي الذي على فلان واستوفيته إذا قبضته . وإسناده إلى الموت باعتبار تشبيهه بشخص يفعل ذلك . والكلام على حذف مضاف أي : حتى يقبض أرواحهن الموت . أو حتى يتوفاهن ملائكة الموت و « أو » في قوله * ( أَوْ يَجْعَلَ اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا ) * ، للعطف ، فقد عطفت قوله * ( يَجْعَلَ ) * على قوله :
* ( يَتَوَفَّاهُنَّ ) * فيكون الجعل غاية لإمساكهن أيضا .
فيكون المعنى . أمسكوهن في البيوت إلى أن يتوفاهن الموت ، أو إلى أن يجعل اللَّه لهن سبيلا أي مخرجا من هذه العقوبة .
وقد جعل اللَّه - تعالى - هذا المخرج بما شرعه بعد ذلك من حدود بأن جعل عقوبة الزاني البكر : الجلد . وجعل عقوبة الزاني الثيب : الرجم وقد رجم النبي صلى اللَّه عليه وسلم ماعز بن مالك الأسلمي ، ورجم الغامدية ، وكانا محصنين .
قال الإمام ابن كثير ما ملخصه : كان الحكم في ابتداء الإسلام أن المرأة إذا ثبت زناها بالبينة العادلة حبست في بيت فلا تمكن من الخروج منه إلى أن تموت ، ولهذا قال - تعالى - :
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 81
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص٨١