تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 84

مساهمون:

ص٨٤
لا معنى له . لأنه مما لا يتوقف على الخروج كالزنا . فلو كان المراد السحاقات لكانت العقوبة لهن عدم اختلاط بعضهن ببعض لا الحبس والمنع من الخروج . وحيث جعل هو عقوبة دل ذلك على أن المراد باللاتى يأتين الفاحشة الزانيات . . . » « 1 » . والذي نراه أن هذا الحكم المذكور في الآيتين منسوخ ، بعضه بالكتاب وبعضه بالسنة . أما الكتاب فهو قوله - تعالى - في سورة النور الزَّانِيَةُ والزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ الآية . وأما السنة فحديث عباده بن الصامت الذي سبق ذكره . وإنما قلنا ذلك لأن ظاهر الآيتين يدل على أن ما ذكر فيهما من الحبس والإيذاء هو تمام العقوبة ، مع أنه لم يثبت عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم أنه عاقب أحدا من الزناة بالحبس أو بالإيذاء بعد نزول آية سورة النور . بل الثابت عنه أنه كان يجلد البكر من الرجال والنساء ، ويرجم المحصن منهما ، ولم يضم إلى إحدى هاتين العقوبتين حبسا أو إيذاء ، فثبت أن هذا الحكم المذكور في الآيتين قد نسخ . ثم بين - سبحانه - الحكم فيما إذا أقلع الزاني والزانية عن جريمتهما فقال : * ( فَإِنْ تابا وأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللَّه كانَ تَوَّاباً رَحِيماً ) * . أي فإن تابا عما فعلا من الفاحشة ، وأصلحا أعمالهما * ( فَأَعْرِضُوا عَنْهُما ) * أي فاصفحوا عنهما وكفوا عن أذاهما * ( إِنَّ اللَّه كانَ تَوَّاباً ) * أي مبالغا في قبول التوبة ممن تاب توبة صادقة نصوحا * ( رَحِيماً ) * أي واسع الرحمة بعباده الذين لا يصرون على معصية بل يتوبون إليه منها توبة صادقة . وبعد أن وصف - سبحانه - ذاته بأنه هو التواب الرحيم عقب ذلك ببيان من تقبل منهم التوبة ، ومن لا تقبل منهم فقال : [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 17 إلى 18 ] إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّه لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّه عَلَيْهِمْ وكانَ اللَّه عَلِيماً حَكِيماً ( 17 ) ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ ولا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً ( 18 )
هامش
( 1 ) راجع تفسير الآلوسي ج 5 ص 136 - طبعة منير الدمشقي .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 84 | سيد محمد طنطاوي